” عدد خاص “
تكريماً لسعادة سفيرة إتحاد البرمجة الحرفية الكونية الروحية الدكتورة نور ميري حفظها الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد النبي الأمي الذي حيَّر العقول بعلمه الفريد عن الأولين و الآخرين و بمعرفته التحقيقية عن مخلوقات الرب الكريم و على آله و صحبه أجمعين النجوم الأخيار اللامعين

ماذا تعلم عن الخيال ؟؟؟ ذلك المخلوق العظيم المدهش الحافل بالغموض و الأسرار ؟؟؟

اختلف العلماء و الدارسون في تعريف الخيال و في وصف ارتباطه بالعقل والنفس والروح , فقيل أن ” الخيال في اللغة : هو إحدى قوى العقل التي يتخيل بها الأشياء أثناء غيابها ( المعجم العربي ص432) “.

و قيل أنه : ” التصور أو التوهم لشيء غير موجود وهو أول خطوات الإبداع ” .

و منهم من عرَّفه على أنه :” قوةٌ ذات نشاط ذهني توحد بين القلب والعقل ، بين الوعي واللاوعي ، تثار بحافز عميق وبصحبها انفعال منظم ، لتنتج صوراً وأشكالاً تعبر عن تجارب متجاذبة متنافرة لكنها منظمة منسجمة وتؤلف كلاً موحداً “.

أما تندال فقد أقرَّ بأن :” العالم المرئي ليس سوى مخزن للصور والإشارات التي تظل بحاجة إلى من يكتشفها إلى أن يأتي الخيال ويهيئ لها مكانها ويضفي عليها قيمتها ” …

و رغم تعدد الآراء و تنوعها و اختلافها حول حقيقة مفهوم الخيال (ما بين فلاسفة و علماء و وباحثين و أدباء …) إلا أن معظم مَن تحدثوا عنه قد إتفقوا على أنه ذو تأثير فاعل و فريد .

و لعل من أبسط و أسرع الأمثلة لملاحظة تأثير الخيال هو مثال الليمونة , فإذا قمت بتخيل صورة لشريحة ليمون طازجة لذيذة لبضعة لحظات فستشعر على الفور بشيء من الحموضة يسري في فمك و يُحفّز الغدد اللعابية لديك .

فلاحظ هنا خطورة ما يستطيع أن يقوم به الخيال , فقد استطعت بمساعدته أن تُحدث تأثيراً ما حتى بدون أن تحرِّك أي عضو مادي ظاهر من جسدك . فقس على ذلك و تأمل ….

و من المهم جداً أن نذكر أن الخيال يرتكز في عمله على الحواس كأساس يستمد منه مادته ليقوم بتشكيل صوره المتخيلة .

و كإشارة بسيطة لفهم أهمية ذلك أنك لن تستطيع تخيل صورة الليمونة ما لم تختبر قبل ذلك معرفة مواصفاتها ( لونها الأصفر أو الأخضر– الحموضة …) بأحد حواسك ( بصر أو ذوق أو سمع أو لمس … ) حتى تُحصِّل تلك الصورة عنها في خيالك و التي قمت بجمع مفرداتها من إدراكاتك الحسية السابقة . و بالتالي فإن الخيال لا يقوم بدون الحس , كما أنه تبعاً لذلك قابل للتدريب والتطوير .

لعلَّ أهمية الخيال وعظمة تأثيره باتت أكثر وضوحاً للعوام في العصور الحديثة , حيث جذب الخيال بعالمه الواسع أنظار و إهتمام الكثير من الباحثين و العلماء الذين إنكبوا على دراسته و البحث عن حقائقه لاكتشاف أسراره و تحصيل الاستفادة القصوى منه في شتى المجالات و خاصةً على الصعيد الطبي ( العلاجي ) الحديث أو على الصعيد الإداري المتفوق .

فلا تخفى أهميته و فائدته العظمى على الكثيرين ممن مارسوا الطب النفسي ( كالأطباء النفسانيين ) , أو ممن مارسوا الطب المكمل ( كتقنيات العلاج بطاقات رقائق النور و الشفاء بالحرف القرآني ) , أو ممن درسوا و مارسوا بعضاً من العلوم المتنوعة للبرمجة الحرفية الكونية الروحية مثل علوم التخاطر أو العلاج التخاطري … وغير ذلك كثير .

أما عن مفهوم الخيال عند العارفين ( أهل الحق و الحقيقة ) فله طعم خاص و روعة خاصة تكشف الحُجب عن حقائق و أسرار عالم الخيال الفريد , فتُعرِّفنا على حقيقة الخيال و ماهيته و عن مراتبه و حضراته و عن عظمة سلطانه .

فالوجود الحقيقي : و هو وجود الله سبحانه و تعالى .

و الوجود الخيالي : و هو كل ما سواه تعالى .

و هنا يعلق أحدهم فيقول : ” فالعالم خيال , ولكن ليس بالمعنى السطحي العابر بل بكل ما يحوي الخيال من طاقات إيجابية موضوعية ذات فعالية مشهودة في الحس مع الاعتقاد منا ان اعيان العالم ثابته في علم الله تعالى ” .

ما يشهده الناس عادةً في حياتهم ما هو إلا خيال ( لأنهم في حالة نوم ) و ذلك استناداً لقول الرسول صلى الله عليه و آله وسلم : ” الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا “… و هنا يعلق الشيخ عبد الكريم الجيلي رحمه الله تعالى على الحديث فيقول : ” أي تظهر عليهم الحقائق التي كانوا عليها في دار الدنيا , فيعرفون أنهم كانوا نياما , إلا أنه عند الموت يحصل الانتباه الكلي , فإن الغفلة عن الله منسحبة على أهل البرزخ , وأهل المحشر , وأهل النار , وأهل الجنة, إلى أن يتجلى عليهم الحق في الكثيب الذي يخرج إليه أهل الجنة فيشاهدون الله تعالى… “

فكل أمة من الأمم مقيدة بالخيال في أي عالم كانت من العوالم . فأهل الدنيا مثلاً مقيدون بخيال معاشهم أو معادهم , وكلا الأمرين غفلة عن الحضور مع الله فهم نائمون , فالحاضر مع الله منتبه . . .

وكذلك أهل الجنة والنار مع ما ينعمون به وهؤلاء مع ما يعذبون به… فإذا عرفت أن أهل كل عالم محكوم عليهم بالنوم , فأحكم على تلك العوالم جميعها أنها خيال , لأن النوم عالم الخيال ( المرجع :الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل – ج2 ص25 -26) .

و أفاد أحدهم شارحاً عن حضرة الخيال عند الشيخ ابن عربي رحمه الله تعالى فقال : ” لكل عالم حضرة تناظره ، فحضرة الغيب لها عالم الغيب والملكوت، وحضرة الحس والشهادة لها عالم الشهادة الذي يستوطن فيه ابن آدم … ويتولد عن هاتين الحضرتين حضرة ثالثة برزخية هي (حضرة الخيال)، وعالمها هو عالم الخيال الذي تسوده الكثير من الأمور البرزخية …”

حيث تظهر المعاني في قوالب محسوسة. ففي هذه الحضرة تسري الرؤى التي نراها في مناماتنا، ويستحيل معنى العلم إلى صورة اللبن، والثبات في الدين في صورة القيد…. . وقد عدّت هذه الحضرة من أوسع الحضرات، لأنها تجمع بين العالمين اللذين استوعبا الوجود في محيط دائرتهما (عالم الغيب، وعالم الشهادة ) .

فالخيال عالم واسع شاسع شديد العمق و التعقيد , كلما غصت في تفاصيله كلما ازددت حيرةً و ذهولاً من روعة و غرابة ما تلاقيه . فهو يحوي الكثير من المتناقضات و الغرائب و خوارق العادات و المحالات , فالخيال كما يقول الشيخ ابن عربي رحمه الله تعالى : “لا موجود ولا معدوم، ولا معلوم ولا مجهول، ولا منفي ولا مثبت”. بل أكثر ما يعبر عنه بوضوح وصفه بأنه ” برزخ ” و “حضرة جامعة ” فهو مجال للإمكانات اللامتناهية التي لا يمكن إدراك مدى اتساعها أو كيفية آلية عملها أو حقيقة كينونتها بالمنطق العقلي وحده بل لا بد لذلك من تدخل الروح , فالخيال ( هو عين الكمال ) و المعرفة الحقيقية هي معرفة الخيال .

ولذلك فصَّل البعض بأن الخيال عند ابن عربي رحمه الله تعالى يتألف من عدة مراتب منها : الخيال المتصل و الخيال المنفصل.

فالخيال المتصل كما أفاد أحدهم هو ” نتيجة للقوة المتخيلة التي يمتلكها ابن آدم وله القدرة على صناعة صور تبقى ببقاء المتخيَّل ” بينما المنفصل كما يصفه آخرون هو ” خيال يتمتع بحضرة ذاتية داخل حدود الحس، ويُدرك بصورة منفصلة عن شخص المتخيل مثل تصوّر جبريل عليه السلام بصورة دحية الكلبي ”

كان ذلك بعض مما قيل أو عُرف عن الخيال و عن عوالم الخيال فسبحان الله العظيم الذي علمه مطلق و مُلكه لا يُحد .. أبدع في خلق كائناته و إيجاد مخلوقاته ..

يقول : الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه لنا : ” و تحسبُ أنك جُرمٌ صغير … و فيك انطوى العالم الأكبر ” فتفكر ………..

قال تعالى : { وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ } الذاريات21

 قال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } الأنعام50