” عدد خاص “
تكريماً لسعادة سفيرة إتحاد البرمجة الحرفية الكونية الروحية الدكتورة نور ميري حفظها الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

الرب المعبود و الحق المشهود الذي تنزه عن الحلول والإتحاد

وتنزه أن تدرك ذاته أبصار العبيد

و الصلاة و السلام على أتم و أكمل و أحب مخلوق

سيدنا محمد و آله و صحبه أجمعين

نعمة دائرة الشهود

إن شهود الله سبحانه في أفعال ذاته وصفاته تعالى هو نعمة من النعم الرائعة و الفريدة التي ينعم الله بها على عباده المحبين من فضله و كرمه و من عظيم حبه و رحمته , و حقيقة و للأسف لا يدركها الغالبية من الناس .

فشهود العبد لربه يجعله في تواصل مستمر مع الحقيقة الإلهية على مدار الساعة و الثانية و اللمحة , فيستقبل الرسائل و التوجيهات و النورانيات الربانية طالما كان على شهود لله في داخله و طالما بقي في غير غفلة عنه تعالى بعدم شهوده لآخر أياً كان من الأغيار. فيشهد الحق أبداً و أنه من عند الله تبارك و تعالى المتصرف الأوحد في الكون .

 قال تعالى : {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ

وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ }الأعراف205

يقول ابن تيمية رحمه الله : ” الحق تعالى … لا موجود في الحقيقة سواه، فهو ليس بمحجوب عنك، وإنما المحجوب أنت عن النظر إليه، لاعتقادك الغيرية، وتعلق قلبك بالأمور الحسية، فلو تعلق قلبك بطلب المولى، وأعرضت بالكلية عن رؤية السوى، لنظرت إلى نور الحق ساطعاً في مظاهر الأكوان، وصارماً كان محجوباً عنك بالوهم في حق الشهود والعيان ” .

فكأنما العين بالشهود باتت غير العين و كأنما الأذن باتت غير الأذن – فبالشهود صار العبد يُبصر أعمق مما تراه العين و يسمع و يدرك ما قد لا يدركه الآخرون – فيصبح بذلك من أهل الفراسة والكشف لتكشُّف الحقائق و الأسرار له بنور الرب المتجلي فيه .

قال تعالى في الحديث القدسي : “.. فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به , و بصره الذى يبصر به و يده التى يبطش بها و رجله التى يمشى بها و إن سألنى لأُعطينَّه و إن استعاذ بى لأعيذنَّه …” رواه البخارى.

قال الإمام ابن عجيبة : ” فإذا انفتحت (أي البصيرة) وقوي نورها، استولت على البصر، فصار الحكم لها، فالبصر لا يرى إلا الحس، والبصيرة لا ترى إلا المعنى، وقد يتلطف الحس فيصير كأنه معنى، فيكون ما تراه البصيرة في حق العيان، وهو محل الشهود، إذ الحس لا يفارق المعنى “.

وجاء في كتاب ” حقائق عن التصوف ” للشيخ العارف بالله عبد القادر عيسى رحمه الله في حديثه عن أهل الكشف :

” فتنعكس أبصارهم في بصائرهم , فينظرون بنور الله و تنمحي أمامهم مقاييس الزمان و المكان , فيطلعون على عوالم من أمر الله اطلاعاً لا يستطيعه مَن لا يزال في قيد الشهوات و الشكوك و البدع العقائدية و الوساوس الشيطانية , و لا تتسع له إلا تلك القلوب النيرة السليمة التي زالت عنها ظلمات الدنيا و غواشيها ” .

فتصبح الأعضاء و الحواس والقلب و الجوارح جميعها في خدمة حضرة واحدة تستقبل و تُرسِل ضمن إطارها و هي حضرة الشهود للوجود الأحدي المطلق لله تبارك و تعالى وحده مصدر إمدادها الوحيد و حقيقة كينونتها و مركز توجهها و منبع سلامها و راحتها الأكمل وفقاً لفهم حقيقة الآية الكريمة {.. وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى … }الأنفال17 و قول النبي صلى الله عليه وآله و سلم : ” أعوذ بك منك ” .

و بذلك تعود جميعها لتمارس وظائفها بالشكل الأصفى و الأمثل بعد أن زال عن العبد غطاء الغشاوة و انقشع حجاب الغفلة عن كل ما سوى الله جلَّ و علا , فبتمام ذلك يتحقق العبد بتمام الشهود للحقيقة الأزلية الأصدق بأن ” لا اله إلا الله ” بيقين تام لا يساوره أو يزحزحه أي شكٍ مهما كان . قال تعالى : {لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ }ق22 . وقال ابن عجيبة رحمه الله : ” اذا تطهرت القلوب من الأغيار، وتصفّتْ من الأكدار، أوحى إليها بدقائق العلوم والأسرار ” .

فبشهود الله تعالى ينشأ السكون تباعاً و يعم السلام في النفس و يتحقق الرضا التام بالقضاء و القدر خيره و شره و تبدأ المحبة بالتدفق و الفيضان أكثر و أكثر ليغوص العبد بشكلٍ أعمق في بحور من ذاك كله (سلام و رضا و محبة …) لم يعهدها من قبل و لا ذاق مثلها حتى أنها تسير به من فرط عمقها و حلاوتها إلى دروب الفناء عن نفسه فالبقاء بالله وحده ….. . يقول ابن عجيبة : “إن الفناء..هو شهود حق بلا خلق، كما أن البقاء هو شهود خلق بحق… فمن عرف الحق شهده في كل شيء، ولم يرَ معه شيئاً، …. ومَن فني به وانجذب إلى حضرته غاب في شهود نوره عن كل شيء ولم يثبت مع الله شيئاً ” .

إلا أن شهود الله تعالى له مراتب و أنواع و طرق متعددة , فهناك شهود لأفعال الله تعالى إلى شهود لأسمائه تعالى و صفاته …. , و هناك مَن يشهده خيفةً أو يشهده رجاءً أو يشهده حباً (علماً أن الحب هو أسهل الطرق وأفضلها وأقواها على الإطلاق) . فهناك مَن قد يسمع عن حقيقة الشهود إلا أنه لا يستطيع أن يتحقق بها فعلياً , و هناك مَن يبدأ فعلاً بعيش هذه الحقيقة إلا أنه يعود فيغفل عنها من حين إلى آخر بسبب كثرة و كثافة الحُجب التي تعيقه وتمنعه و تُضلل بصيرته , و هناك مَن يدخل دائرة الشهود حقاً إلا أنه لا يصل إلى آخر مراحلها و أعلى مراتبها كون التحقق بذلك والوصول لكمالها هو منحة خاصة جداً من الذات الإلهية لا تُمنح لأيٍ كان .

و لذلك فإن على العبد أن يسعى باستمرار و يعمل جاهداً لتثبيت و إتمام و إكمال تحققه بهذه الدائرة , و لا سبيل لتحقيق ذلك إلا بالعلم (الملقِّن من خلال الولي المرشد ) مترافقاً مع اليقين و الحب كشروط أساسية لا غنى عنها لشق الطريق و اجتيازه بأكمله . يقول ابن عجيبة : ” بقدر المجاهدة في خرق العوائد تكون المشاهدة “.

فإذا أردت أن تتخلص من مشاعر الألم والعذاب و الخوف من الغير داخلك , و أن تتعلم كيف تستقبل وتترجم الرسائل الإلهية الموجهة إليك قي حياتك و خاصة حين الشدائد و الأزمات , و أن تتذوق لذّاتٍ من القرب من الرب سبحانه وتعالى لم تتوقع حتى وجودها , فما عليك إلا أن تدخل في دائرة الأمان و الحصن الرباني … دائرة حماية الهو ( هُ ) … دائرة الشهود لحقيقة التوحيد. يقول جل جلاله في الحديث القدسي : { (لا إله إلا الله) حصني ، فمن دخلها دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن من عذابي. {  فمَن تحقق بدائرة الشهود أدرك أن ( كل مَن دخل إليها مولود و كل مَن خرج عنها مفقود ).

اللهم أدخلنا في دائرة شهودك المطلق في مقام الإحسان و ثبتنا و حققنا بتمامها و كمالها لتزول بها غربتنا في هذه الدنيا و نحيا بها تباعاً جنةً على سطح الأرض .

و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل

و الحمد لله رب العالمين