بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِ على سيدنا محمد شعلة النور و منارة الهدى .. وعلى الآل و السلف الصالح من صحابة و تابعين و محسنين زاهدين .. مَن كانوا لنا أسوة حسنة ونماذج مضيئة في حسن الخلق والعمل والسلوك .. كلما اتبعناها كلما ارتقينا أكثر إلى محاسن الكمال .. و سرنا أسرع على الدرب وصولاً إلى التحقق بأعلى درجات العبودية ومقامات الإحسان وحتى نلقى ربنا بقلب سليم .

مما يثير العجب في هذا الزمان أنك ترى الناس وقد انتشرت بينهم الأمراض الخطيرة ونزلت بهم المصائب الكثيرة وشاعت أمامهم مشاهد الموت والقتل والدمار .. ولا زال الكثيرون منهم يلهثون أو يستشرسون وراء ملذات الحياة وزخارفها وبطرها .. وقلوبهم متعلقة بالدنيا راغبة فيها عن غير ربها .. من غير أن تتعظ لهم نفس أو يرق لهم قلب أو تتحرك لهم أحاسيس . وأين نحن اليوم من الصحابة الكرام ومن سيرة نبينا المصطفى .. وقد كانوا من الزاهدين على الرغم من أنهم ملكوا الدنيا وما فيها .. فما شغلتهم عن ربهم وما ثبطتهم عن أداء مهامهم العظمى وعن نشر الرسالة المقدسة ؟!

الزهد و مراتبه :

أشار ابن عجيبة رحمه الله تعالى إلى الزهد و فصّل في مراتبه كما يلي :

” فزهد العامة: ترك ما فضل عن الحاجة في كل شيء،

و زهد الخاصة: ترك ما يشغل عن التقرب إلى الله تعالى في كل حال،

و زهد خاصة الخاصة : ترك النظر إلى ما سوى الله تعالى في جميع الأوقات

إلى أن قال : والزهد سبب السير والوصول ؛ إذ لا سير للقلب إذا تعلق بشيء سوى المحبوب * “معراج التشوف لابن عجيبة ص ٧- 8 .

أمثلة عن الزهد :

عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : ” نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حصير فقام وقد أّثَّر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء . فقال : ( ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب، استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها* ( أخرجه الترمذي في كتاب الزهد، وقال: حديث صحيح ” .

و قد أكل الرسول عليه الصلاة و السلام والآل الأطعمة البسيطة و ربط الحجر على بطنه الشريف من الجوع رغم أن الجبال عٌرضت له أن تكون ذهباً .

” خرج سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه عن ماله كله في سبيل الله تعالى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما تركت لأهلك ؟ قال : تركت الله تعالى ورسوله * رواه أبو داود في كتاب الزكاة والترمذي في كتاب المناقب عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وقال: حديث حسن صحيح ” .

وقالت حفصة بنت سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه لعمر : يا أمير المؤمنين لو لبست ثوباً هو ألين من ثوبك، وأكلت طعاماً هو ألين من طعامك، وقد وسع الله عز وجل من الرزق وأكثر من الخير، فقال: إني سأخصمك إلى نفسك، ألا تذكرين ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلقى من شدة العيش ؟ فما زال يذكِّرها حتى أبكاها، فقال لها: أما والله لئن استطعت لأشاركهما في مثل عيشهما الشديد لعلِّي أدرك معهما عيشهما الرخي * (تاريخ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه لابن الجوزي ص ١٠٤ .

عن عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه قال: ” أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ : (ألهاكم التكاُثر) قال : ( يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقْت فأمضيت ) * رواه مسلم في كتاب الزهد ” .

الزهد مرتبة قلبية و ليس يعني ترك الكسب الحلال :

– عرَّف ابن عجيبة الزهد بقوله: هو خلو القلب من التعلق بغير الرب * معراج التشوف ص 7 .

– ويقول الشيخ عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى : الزهد مرتبة قلبية ؛ إذ هو إخراج حب الدنيا من القلب، بحيث لا يلتفت الزاهد إليها بقلبه، ولا ينشغل بها عن الغاية التي خلقه الله تعالى من أجلها. وليس معنى الزهد أن يتخلى المؤمن عن الدنيا فيفرغ يده من المال، ويترك الكسب الحلال ويكون عالة على غيره * حقائق عن التصوف ص 352-353 .

– يقول المناوي رحمه الله تعالى : و قد جهل قوم فظنوا أن الزهد تجنب الحلال، فاعتزلوا الناس، فضيعوا الحقوق، وقطعوا الأرحام، وجفوا الأنام، واكفهروا في وجوه الأغنياء، وفي قلوبهم شهوة الغنى أمثال الجبال، ولم يعلموا أن الزهد إنما هو بالقلب، وأن أصله موت الشهوة القلبية * فيض القدير شرح الجامع الصغير” ج ٣/ص ٧ .

– قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، ولكن الزهادة أن تكون بما في يد الله تعالى أوثق منك بما في يدك ” * أخرجه الترمذي .

– قال العلامة المناوي رحمه الله : ” فليس الزهد تجنب المال بالكلية بل تساوي وجوده وعدمه، وعدم تعلقه بالقلب إليه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدوة الزاهدين، يأكل اللحم والحلوى والعسل، ويحب النساء والطيب والثياب الحسنة، فخذ من الطيبات بلا سرف ولا مخيلة، وإياك وزهد الرهبان * ” فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي- ج ٤/ ص ٧٢ .

لتكون زاهداً بحق لا بد لك من اتباع ولي مرشد :

” فكم من أناس أخطأوا الطريق فجعلوا الزهد غاية، ولبسوا اُلمرقَّع من الثياب، وأكلوا الرديء من الطعام، وتركوا الكسب الحلال، وحسدوا أهل المال، وقلوبهم مفعمة بحب الدنيا، وهم يحسبون أنهم زاهدون. وما وقعوا في ذلك إلا لأنهم ساروا بأنفسهم بعيدين عن صحبة الدليل الخبير ” * حقائق عن التصوف لعبد القادر عيسى – ص355 – 356 .

قال تعالى : { وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } العنكبوت 64

اللهم اجعلنا من الزاهدين في دنياك الراغبين في لقياك وخير الصلاة وأتم التسليم على النبي الأمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين