أعوذ بالله من الشيطان الرجيم شيطان الشطن عن الصراط والعقيدة السليمة , شيطان الشطن عن التوحيد والإخلاص شيطان الشطن عن سنة وملة الأنبياء والمرسلين

بسم الله الرحمن الرحيم بادئ الخلق ومعيده , الرب الواحد على عبيده , الحمد لله رب العالمين على دين التوحيد و عقيدة التوحيد وعلى السلامة من الشرك الأصغر والأكبر وصلى الله على سيدنا محمد نور الحب الأوحد وسيد الطهر الأفرد و جوهرة العبودية المثلى وآله وصحبه وسلم

أما بعد :

فإن الكثير مما نراه في مجتمعاتنا من اللغو و اللجّ والجدل العقيم في أمور الدين إنما مرده إلى أمرين مهمين :

الأول : إهمال مطالب العقيدة ودراستها , فتجد من يتطاول على العلماء ويناقشهم بقضية بت فيها من أكثر من 1433 عام في العقيدة السليمة , ويضيع وقته ويفتن من حوله بالسعي وراء المكتسب المضمون وترك المطلوب المفقود .

الثاني : الإعتماد في الجدل على مصادر غير موثوقة , كالكلام في التلفاز أو الإذاعة أو ما يتم تداوله على صفحات الانترنت أو من القيل والقال على ألسنة العلماء .

وكنت أعتقد أن خطورة الوقوع في هاتين النقطتين إنما يكون مرده على الشخص بالقدح في سلامة إسلامه وإيمانه ولكنني رأيت مما رأيت أن هاوية هاتين النقطتين قد تودي بالشخص إلى ما هو أشد خطورة وأخطر شدة وهو التطاول على العلماء واستجلاب عداوة الحق سبحانه وتعالى بالتعدي على حرمة الأولياء بارك الله تعالى لنا بهم وجعلنا من خدامهم وأكرمنا بصحبتهم وصحبة سيد الأولياء وأمير الوجهاء محمد صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .

ومن هذه القضايا المثيرة للجدل والفتن قضية ” الإمامة الكبرى ” يعني النظر في أحكام تعيين وطاعة وعزل الحاكم في العقيدة الإسلامية , ونبينها هنا رداً للشبهات ووقاية للفتن خاصة وأننا في وقت تتزلزل الأرض تحت كراسي الحكام , ويتحطم وثاقها ويهتز ثباتها .

جاء في جوهرة التوحيد وشرحها (( كتاب العقيدة المعتمد والمدرس عند أهل السنة والجماعة )) الكلام الذي بين قوسين وباللون الأصفر هو كلام صاحب المقالة ( يجب أن نتذكر قبل البدء بالمقال قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ” قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ” آل عمران 26 ) :

وواجب نصب إمام عــــدل   بالشرع فاعلم لا بحكم العقل

فليس ركنا يعتقد في الدين   فلا تزغ عن أمره المبيـــــن

إلا بكفر فانبذن عهــــــــده   فالله يكفينا أذاه وحــــــــــده

بغير هذا لا يباح صرفــــه   وليس يُعزل إن أزيل وصفه

حكم نصب الإمام العادل :

قوله : وواجب نصب إمام عدل

… أي : ونصب إمام عدل واجبٌ على الأمة عند عدم النص من الله تعالى أو رسوله على مُعَيّن , وعدم الاستخلاف من الإمام السابق , بخلافه ( بمعنى يسقط هذا الواجب عن الأمة ) عند النص من الله تعالى ( لاستيفاء شرط العدالة فيمن يعينه الحق سبحانه كما في قوله تعالى ” وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ “ البقرة 124 ) , كما في قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم

” يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ “ (26) ص

أو من رسوله ( لثبوت عدالته صلى الله عليه وآله وسلم والأمر الإلهي في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ” …. وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ” الحشر 7 ) أو الاستخلاف من الإمام السابق ( لثبوت أمر طاعته وذلك في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا “ النساء 59، وهو موضوع بحث هذه المقالة من حيث تعيين وطاعة وعدم طاعة وعزل الإمام ) كما وقع من أبي بكر فإنه أوصى بالخلافة بعده لعمر رضي الله عنه.

شروط العدالة :

المراد بالعدل هنا عدل الشهادة , ولا يتحقق إلا بشروط خمسة :

1- الإسلام : لأن الكافر لا يراعي مصلحة المسلمين .

2,3- البلوغ والعقل : لأن الصبي والمجنون لا يليان أمر نفسهما فلا يليان أمر غيرهما .

4- الحرية : لأن الرقيق مشغول بخدمة سيده , ولأنه مستحقر في أعين الناس فلا يهاب ولا يمتثل أمره .

5- عدم الفسق : لأن الفاسق لا يوثق به في أمره ونهيه .

والمراد كونه عدلاً ولو ظاهراً , لأنه الذي كلفنا به , فلا يشترط العدالة الباطنية .

ثم إن هذه الشروط إنما هي في الإبتداء وحالة الإختيار ( الكثير لا يفهم هذه النقطة لعدم دراسته العقيدة فيقع في الأخطاء والجدل العقيم ) وأما في الدوام فلا تشترط كما يعلم مما يأتي .

قوله : بالشرع فاعلم لا بحكم العقل :

أي : أن وجوب نصب الإمام بالشرع عند أهل السنة فاعلم ذلك , ورد بقوله ” لا بحكم العقل ” على بعض المعتزلة كالجاحظ وغيره , حيث ذهبوا إلى أن ذلك بالعقل لا بالشرع بناءً على قاعدتهم من التحسين والتقبيح العقليين , ( أي إعتماد العقل على الحكم بالحسن والقبيح وهذا باطل في الشرع إذ أن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ويقع في هذا الفخ العقلي الكثير ممن يناقشون ويجادلون باسم الشرع , فتارة تجده يدافع باسم الشرع ويحكم على حاكم ببطلانه وتجد أنه يعتمد في الإستحسان والإستقباح على العقل ) .

وقوله : فليس ركناً يعتقد في الدين :

أي : فليس نصب الإمام ركناً يعتقد في قواعد الدين المجمع عليها المعلومة بالتواتر , بحيث يكفر منكرها , كالشهادتين والزكاة وصوم رمضان والحج , لأنه ليس معلوماً من الدين بالضرورة فلا يكفر منكره .

بيان وجوب طاعة الإمام

وقوله : ولا تزغ عن أمره المبين :

أي : ولا تخرج عن إمتثال أمره ( أي الإمام ) الواضح الجاري على قواعد الشريعة , فتجب طاعته على جميع الرعايا ظاهراً وباطناً لقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم

” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا “ النساء 59

وقول سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : ” من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني ” أخرجه مسلم في كتاب الإمارة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه .

( والأمير هنا من توفرت فيه شرط الإمامة وهو العدل كما تم ذكره سابقاً )

لكن لا يُطاع في الحرام والمكروه ( ولا يُعزل ) , أما المباح فإن كان فيه مصلحة عامة للمسلمين وجبت طاعته فيه .

بيان متى يباح عزله

قوله : إلا بكفر فانبذن عهده :

أي : إلا إذا أمر بكفر فاطرحن بيعته جهراً , فإن لم تقدر على الجهر بذلك فاطرحها سراً .

وقوله : فالله يكفينا أذاه وحده :

أي : فالله تعالى يكفينا أذى الإمام الذي أمر بالكفر وحده إذ هو الذي ناصيته بقدرته .

قوله : بغير هذا لا يباح صرفه :

أي : بغير هذا الكفر من جميع المعاصي لا يجوز خلعه عن الإمامة , لا جهراً ولا سراً ( ولكن يجب النصح وقول الحق بخروجه عن الشرع وارتكابه المحرم والمكروه ) .

وقوله : وليس يعزل إن أزيل وصفه :

أي : وليس يعزل إذا ولي مستكملاً للشروط , ثم أزيل وصفه السابق وهو العدالة بحدوث الفسق , خلافاً لطائفة ذهبوا إلى أنه يعزل بذلك .. ونحن نقول وهو الصحيح عندنا : أنه يعزل في الوصف الذي زال عنه فقط .

( اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الملك إنك على كل شيء قدير , اللهم نسألك بأنك القدير الذي أحاطت قدرتك بكل شيء ونسألك بأنك مالك الملك الذي بيدك قام ومن يدك أتى وإلى يدك عاد أن تنزع الملك عن من يريد بأهلك وأوليائك شراً وعداءً و تذل من يعرقل أهلك وأولياءك عن إقامة شرعك وسنتك ونشر نورك يا نورُ ) .

و الحمد لله رب العالمين