hanibalharbmag-47.3

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير من دعا إلى الله وإلى صراطه المستقيم سيدي وحبيبي محمد وآله وصحبه أجمعين.

أما بعد , فإن الدعوة لله تعالى فن له أصول وله ذوقياته , وعلى الداعي أن تكون له الخبرة الكافية في معرفة قلوب الناس ليعرف من يستحق أن يُدعى ومن لا يستحق وكيف يدعو من يقبل الدعوة وكيف يعرض عمن لا يقبلها , فليست الدعوة تسويق تجاري يجب أن نحقق بها أكبر عدد من الزبائن , ولا هي تحدي يجب أن نربحه بإدخال أكبر عدد ممكن من الناس إلى سبيل الإسلام وقد قال الغزالي في ذلك :“الوعظ زكاة نصابه الإتعاظ ” , ولما غفل دعاة اليوم عن هذه الحقائق وقعوا في أخطاء عدة , ووضعوا أنفسهم والدعوة في مواقف لا يجوز أن توضع فيها الدعوة , وأحد أكبر الأخطاء والتي أفقدت دعاة اليوم هيبتهم ومكانتهم هو فهم الناس الخاطئ  لقضية الأجر .

والخطأ فادح لدرجة أن  89 %  اليوم من الناس تقريبا يقعون في نفس الخطأ نتيجة الجهل بهذه القضية وربما تكون انت منهم .

 فلو سألتك مثلاً هل من مواصفات الداعية الصادق أن يأخذ أجراً على دعوته ؟

 فستقول لي لا , وإنما دعوته إلى الله تعالى إنما هي لوجهه سبحانه , أو ما شابه من هذا الكلام النظري الذي يبدو جميلاً وسامياً وراقياً وما شئت من أوصاف مرضيٌّ عنها اجتماعيا , ولكن دعني أقول قف , فالجميل ما جمله الشرع وإن استنكره العرف والقبيح ما قبحه الشرع وإن استحلاه العرف. فلنترك ما توارثناه من خرافات و خزعبلات وللنظر إلى الشرع ماذا قال , فإن لم تفعل ذلك فأنت ومن اختاروا ترك الرسائل السماوية واختاروا أن يتبعوا ما ورثوه من أصنام وآلهة الآباء واحد , فماذا قال الشرع عن ذلك :

بسم الله الرحمن الرحيم

(( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا )) (57) الفرقان

الجواب  : في الاستثناء الموجود في الآية 57 من سورة الفرقان , هذه الآية التي تفرق بين من يطبق الشريعة عبادة لله تعالى وبين من يطبقها رياء وطلباً لمرضاة الناس والسمعة الطيبة بينهم , عزيزي القارئ إنها تقول :

(( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا )) (57) الفرقان

تثبت الآية هنا وهو وجوب أخذ المال مقابل الدعوة  من اهل الدين .

(( قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ )) (86) ص

وفي الآية الثانية تصريح للداعي إلى صراط الله تعالى بعدم أخذ الأجر على دعوته من اعداء الدين  , وهذا شطر الشرع , فلماذا ترك البعض الشرع وأخذ بشطره , ألم يقل المولى عز وجل في سورة البقرة :

بسم الله الرحمن الرحيم

(( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ))  (85)

فما هو الشطر الثاني ؟ 

فـمتى نطبق الأية الأولى ومتى نطبق الثانية  ؟

هناك حالتين للداعية : إن أخذ المال يكون ممن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فيكون ماله مقابلاً للدعوة فلا تثبت عليه المنة ويزول الحرج بين الداعي والمدعو , فهذا أعطاه العلم وذاك أعطاه المال , فاكتمل طواف النور بينهما .

أما من لم يشأ أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فلا يؤخذ منه , لتثبت المنة عليه , وتكون حجة عليه لا له , ولا تتاح له الفرصة ليعتقد أنه اشترى الدعوة بماله , ولا يطال أهل الله تعالى بدعوى إنفاق المال عليهم إذا هو نكث أو انسحب من مجالسهم , فبانسحابه كان ممنوناً عليه وما كان بمانّاً على أحد.

جعلك الله ممن يؤخذ منهم المال مقابل الدعوة.