بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على حبيبي و جدّي محمد سيد الدعاء و أكمل البشر و آله و صحبه و سلم تسليما مطلقا

ذكرنا في العدد السابق تعريف الدعاء، و ميّزنا دور الدعاء في رد القضاء المبرم و دوره في رد القضاء المعلّق، و ذكرنا شروط الدعاء و آدابه، و كيف أن إجابته متعلقة بالإرادة الإلهية..

و نكمل بإذن الله تعالى في تبيان حقيقة هامة في الدعاء..

فقد استغربت من الكثيرين أنهم ينتقدون المؤمن العابد في ((دعائه الحقاني على غيره)) ممن ثبت كفره، أو شِركه، أو ظلمه، أو كفره بالشرع كله أو بعضه، أو عدائه العلماء ،أو أذيته، أو جرمه في سلب النفوس و الأموال.. و يلزمونه من كونه من أهل الله -باعتقادهم الخاطئ- بأن يكون لسانه ناطقا بدعاء الخير لجميع الناس على اختلاف أحوالهم!!

و قد يحتجّ بعضهم بأنه ”و ما أدراك أن فلان كافر أو مشرك أو..!!“..فنقول أن منهم من يجاهر بكفره أو شركه أو أذاه عامةً و هذا أمره بيّن، أما من لم يجاهر فتقاس أعماله على الشرع، و الشرع فصّل الأوصاف و الأعمال التي توجب لصاحبها الشرك أو الكفر أو النفاق أو الفسق أو أكل الحقوق أو..، فإن حكم عليه الشرع بأمر منها فهو على ذلك بما هو ظاهر للعباد.

و في حقيقة الدعاء نقول أن الدعاء حضرة كمال فيها الجمال و فيها الجلال، ففيه مثلا الدعاء لفلان (و هي حضرة جمال)، و الدعاء على فلان (و هي حضرة جلال) .. حيث أنه لم يرد في أي نص شرعي تقييد لفظة (الدعاء) بحقيقة الجمال فقط و إنما جاءت اللفظة مطلقة، و منها حديث أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” الدعاء مخ العبادة ” فالدعاء بكل أنواعه و طرقه جائز شرعا بل هو عبادة!! (على أن يكون دعاء حقّ لا ظلم فيه)..و هذا يقود لحقيقة هامة و هي :

أنك تتعبد الله في دعائك على من عاداه!! فتأمل!!

أما أدلة القرآن الكريم و السنّة الشريفة على إباحة الدعاء على قوم فهي كثيرة نورد منها:

قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم {فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} الدخان 22 ،و هو دعاء سيدنا موسى عليه السلام على فرعون و قومه.

و منها قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ } القمر10، و هو دعاء سيدنا نوح عليه السلام .

و جاء في صحيح ابن خزيمة: عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ” لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا على قوم”، القنوت:الدعاء في صلاة العشاء أو الفجر قبل الركوع أو بعده.

و جاء في سنن الترمذي:عن عائشة، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” من دعا على من ظلمه فقد انتصر “، فدعاء المظلوم مجاب.

و جاء في مصنف عبد الرزاق الصنعاني: أن عتبة بن أبي وقاص كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أُحد، ودمى وجهه، فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ” اللهم لا يَحِل عليه الحول حتى يموت كافرا “، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار.

و في صحيح البخاري: عن مسروق ، قال : أتيت ابن مسعود ، فقال : إن قريشا أبطئوا عن الإسلام، ” فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها ، وأكلوا الميتة والعظام “، لاحظ كيف دعا عليهم الرسول عليه الصلاة و السلام لإبطائهم في الإيمان بدين الله.

و في رواية أخرى في صحيح ابن حبان: إن قريشا دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” اللهم أعني عليهم بسبعٍ كسنيّ يوسف “، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها، فأكلوا الميتة والعظام، ويرى الرجل ما بين السماء كهيئة الدخان.

في صحيح البخاري: ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، ” فدعا على نفر من قريش:على شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأبي جهل بن هشام، فأشهد بالله، لقد رأيتهم صرعى ، قد غيّرتهم الشمس، وكان يوما حارا “.

و في صحيح البخاري: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، أن عبد الله بن عباس أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ” بعث بكتابه رجلا وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم “أن يمزقوا كل ممزق”.

و هناك العشرات و العشرات من الأدلة التي توضح إباحة الدعاء على الكفار و المشركين و غيرهم من أعداء الله و أعداء كتابه و سنته و حملتهما من المسلمين و المؤمنين و المحسنين…

حتى أنه يدخل في باب مجابهة أعداء الله أمور أخرى غير الدعاء عليهم منها على سبيل المثال (هجاؤهم) فقد جاء في صحيح البخاري: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: ” اهجهم – أو هاجهم – وجبريل معك “،أي أنه أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين.

و كذلك (الغلظة عليهم) : بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} التوبة 73،و الغلظة هنا مطلقة الطرق، لذا يمكن أن يدخل فيها الدعاء عليهم.

و (ألا يُستغفر لهم): بسم الله الرحمن الرحيم {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} التوبة 113،لاحظ (و لو كانوا أولي قربى) و يدخل في هذا الباب عدم جواز الاستغفار للأبوين إن كانا مشركين!! و أما من يحتجّ بأن إبراهيم عليه السلام دعا لأبيه ففي الرد على ذلك قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ } التوبة 114.

و (لا يصلى عليهم و لا يدعا لهم عند القبر): بسم الله الرحمن الرحيم {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}التوبة 84، فالله تعالى لم يبح فقط الدعاء على الكفار و المشركين ، و إنما نهى عن الدعاء لهم في نص هذه الآية الكريمة، فتأمل!

لذا فإن من لم يعي هذه الوجوه في العبادات لم يفهم حقيقة الكمال في دين الله تعالى في قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم {..الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً..}المائدة3، فمن كمال الدين جمعه للجمال و الجلال، للشيء و ضده، و كذا أهل الله وصفهم الله تعالى بجمعهم الجمال و الجلال بقوله بسم الله الرحمن الرحيم {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ..} الفتح29

اللهم افتح لنا من علوم و فهوم كمالك الأعظم

و اجعلنا من أصحاب بر الدعوة

و الحمد لله رب العالمين