” عدد خاص ”
لسماحة علَّامة الديار الشامية الشيخ د.هانيبال يوسف حرب حفظه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين
اخترنا لكم الباب الثاني منها وهي الرسالة الأولى للمجددية الهانيبالية الكمالية :

في الإشارة عن الهياكل النورانية
1- باب في معرفة مفتاح المعارف من حضرة الربوبية :

إعلم يا وليي في الله تعالى أن معرفة مفتاح المعارف تعطي قوة ربانية في إقتحام العالم الروحي وتسخر أبعاده وأبعاضه وتجعله تحت سطوة العارف حيث سألت كما جاء في الحديث الصحيح بمرتبة الحسن وبسندي المتصل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه أجمعين : يا رسول الله هل يعرف المرء ربه قال : نعم يا عائشة إذا عرف نفسه .

وقد سألني الكثير من الناس عن مفتاح المعارف وعن طبيعته وكيف يفتح به فأحجمت عن الإجابة تأدباً مع وارد الوقت أما وقد لمست الرغبة الحقيقة في المعرفة فإني لا أتردد في إعطائها لمستحقيها بكلام وجيز بالغ بياني فيه زبدة المعرفة وعليه فإن معرفتك نفسك هي عين مفتاح المعارف حيث أنها تفتح لك أبواب المعرفة الربانية ومن عرف الله عرف كل شيء وإن فاته كل شيء ومن فاته الله فاته كل شيء وإن عرف كل شيء .

ولتعلم يا وليي في الله أنك لا تستطيع أن تفتح بهذا المفتاح الذي هو مفتاح المعارف والذي هو معرفة نفسك إلا بالعلم والتوفيق الإلهي والولي المرشد لقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم : { وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً } الكهف 17

ولتعلم يا وليي في الله أن من يعرف نفسه يعرف ربه ومن عرف ربه عرفه كل شيء فإذا عرفك كل شيء وعرف أنك تعرف الله وعرف أن الله منحك شرف التعرف على نوره عاملك كل شيء معاملة نديم الملك الذي يحترم جاهه وتحسب له الحسابات ومن هنا يحظى صاحب التعرف على منحة التسخير الكوني لمعرفته بربه .

لتنتبه يا وليي في الله أن الله وحده يملك أن يكشف عنك غطاء نفسك ويعرّفك بها لترفع حجابك عنك فيعينك بالولي المرشد , فإن فعل فأعلم أنك المختار وأن الكون عرفك قبلك بتعريف الله لك هذا ما كان في وارد الوقت بخصوص مفتاح المعارف والله الموفق . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين .

2- باب في معرفة منزل منازل انبثاق الأسرار في حضرة الابتداء من الحضرة المحمدية :

إعلم ياوليي في الله تعالى أن هذا المنزل هو منزل المنازل الإبتدائية في الحضرات الوجودية كلها , ومن تجليات الإسم الأعظم الذي افتتح كل رقيم , وأظهر كل غائب , وقامت به عوالم كل شاهد , وبه كانت أعظم آية في القرآن الكريم آية الكرسي , وبه كان أعظم سورة في القرآن الكريم سورة الفاتحة , وبه كانت أعظم صورة في العالمين صورة الإنسان , لأنه على صورة ربه , كما جاء في الحديث الصحيح ( إن الله خلق آدم على صورته ) , وفي حديث له مرتبة الحسن جاء به أن الله خلق الإنسان على صورة الرحمن , وكذلك منزل المنازل الإبتدائية كان من بحور حضرة الإسم الأعظم , وعندما كرمني الله وشرفني في الدخول إلى ذلك المنزل الشريف العالي الجناب , وجدته من أبدع المنازل في افتتاح البدايات , فهو مبني على التربيع , وبذلك حصل لهذا المنزل قوة الإتزان في كل الحضرات , باطنه واحد وظاهره متعدد التجليات , أما الباطن الواحد فقد ظهر في ثلاثة مواضع منه , موضعان يعززان شهود الخلق للحق , وموضع يعزز استعداد المخلوق لظهور الحق , فالأول في هذا المنزل عامٌّ للكل , والثالث لأصحاب السلوك من المؤمنين , أما الثاني فهو خصوص لأصحاب الخصوصية , وبهذا البطون افتتح الحق سبحانه وتعالى في منزل المنازل من حضرة الإبتداء باطن كل شيء استعداداً في الأشياء لظهور تجلياته الباطنة على كل باطن .
وأما الظاهر المتعدد التجليات ففيه ست عشرة تجلياً , سبعة منها في افتتاحات الأكوان , وستة منها مخصوصة لافتتاحات الإيمان , فلا يعرفها بأسرارها إلا المؤمنون حقاً , وما بقي من هذه الست عشرة فهي ذاتية للحق يتجلى فيها جلال جماله , منها تجل يفتح في ذات المخلوق الذي يختصه الحق عوالم اسم الله الباسط , فيعطي لروح المخلوق انبساطاً يؤهله لدخول مقام التجلي الإلهي ليتحقق عند اكتماله بشهود ربه , وهذا النوع من التجليات من أعجب التجليات التي رأيتها في ذاك المنزل , فإن ابتداءه معرفة النفس , فإذا بالمخلوق يصل إلى معرفة الرب , وقد صدق حبيبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم حين قال في حديث له مرتبة الحسن عند أهل الحديث , وأرويه بسندي المتصل , حيث قالت أمي عائشة رضي الله عنها هل يعرف المرء ربه فقال حبيبي المصطفى نعم يا عائشة إذا عرف المرء نفسه , ومن هنا قال من قال , من عرف نفسه عرف ربه , وهناك أيضاً ثلاث تجليات غير الست عشرة تصبغ الوجود بذاتيتها , فلا يخرج عن الإنصباغ بها كائن من كان في عالم الخلق , لشدة تجلي الحق فيها , ومن عجيب هذا المنزل أنه الإفتتاح الرباني لكل البدايات في حين لا يستطيع أن يفتح به من الكائنات ابتداءاته على سبيل التحقيق إلا من انصبغ بالعبودية المحضة , فهذا المنزل برزخ له من جهة الحق تجلي العظمة السيادية , وله من جهة الخلق دعم العبودية في المخلوق , والإبتداء في هذه الحضرة على نوعين , إبتداء مباشر يَطال كل مخلوق , وابتداء غير مباشر تُفَصَّلُ فيه الابتداءات الكونية كلها وكلا الإبتداءين هو إبتداء حقيقي , وهي على منازل عدة تبلغ من العدد ما للقاف والياء والباء على حساب أهل الأنوار , وكل منزل من هذه المنازل الإبتدائية يفتح ما يفتح من عوالم الحق مما لا يستطيع إحصاءه إلا الحق جل وعلا .