بسم الله الرحمن الرحيم

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ الحجرات 10

الحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين وأزكى الصلوات وأتم التسليم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين .

نتابع معكم أيها الأخوة بالله بعض حقوق الأخوة في الإسلام ونتكلم عن شيء خطير قلما يخلوا من فعله أي مجموعة من الناس أو الأصدقاء أو الأخوة في جماعة فيما بينهم وهو :

 قوله تعالى عز وجل من قائل : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْراً مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } الحجرات11 قيل عند الله.

وقيل ” خيرا منهم ” أي معتقدا وأسلم باطنا.

والسخرية الاستهزاء.

وقال الاخفش: سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، وهزئت منه وهزئت به، كل يقال.

وقال مجاهد: هو سخرية الغني من الفقير.

وقال ابن زيد: لا يسخر من ستر الله عليه ذنوبه ممن كشفه الله، فلعل إظهار ذنوبه في الدنيا خير له في الآخرة.

وبالجملة فينبغي ألا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن يقتحمه بعينه إذا رآه رث الحال أو ذا عاهة في بدنه أو غير لبيق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأنقى قلباً ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله، والاستهزاء بمن عظمه الله.

ولقد بلغ بالسلف إفراط توقيهم وتصونهم من ذلك أن قال عمرو بن شرحبيل: لو رأيت رجلا يرضع عنزاً فضحكت منه لخشيت أصنع مثل الذي صنع.

وعن عبد الله بن مسعود: البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا.

وفي البخاري عن عبد الله بن زمعة قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحك الرجل مما يخرج من الأنفس ( كالريح الخارج من الأمعاء ).

وقوله تعالى: ” ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ” أفرد النساء بالذكر لان السخرية منهن أكثر.

وقال عكرمة عن ابن عباس: إن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن النساء يعيرنني، ويقلن لي يا يهودية بنت يهوديين ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ هلا قلت إن أبي هارون وإن عمي موسى وإن زوجي محمد ].

فأنزل الله هذه الآية.

وقولهُ تعالى:( وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) وقوله تعالى:( وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) بمعنى: لا يلمزْ بعضكم بعضا، ولا يقتُلْ بعضكم بعضا ، لأن الله تعالى ذكره جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزُه كلامز نفسه
وقوله: { وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } أي: لا تلمزوا الناس . والهمَّاز اللَّماز من الرجال مذموم ملعون، كما قال تعالى : { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ } ، فالهمز بالفعل واللمز بالقول، كما قال تعالى: { هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } أي: يحتقر الناس ويهمزهم طاعنًا عليهم، ويمشي بينهم بالنميمة وهي: اللمز بالمقال؛ ولهذا قال هاهنا: { وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } ، كما قال: { وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } أي: لا يقتل بعضكم بعضا .

قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، ومقاتل بن حَيَّان: { وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ } أي: لا يطعن بعضكم على بعض.

وقوله: { وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ } أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخص سماعها.

قوله تعالى: ” ولا تنابزوا بالألقاب ” النبز (بالتحريك) اللقب، والجمع الأنباز.

ويقال النبز والنزب لقب السوء. وتنابزوا بالألقاب: أي لقب بعضهم بعضا.

وفي الترمذي عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: كان الرجل منا يكون له الاسمين والثلاثة فيدعي ببعضها فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية ” ولا تنابزوا بالألقاب “.

قال: هذا حديث حسن.

” بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ” أي بئس أن يسمى الرجل كافرا أو زانيا بعد إسلامه وتوبته، قاله ابن زيد.

وفي الصحيح [ من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه ].

فمن فعل ما نهى الله عنه من السخرية والهمز والنبز فذلك فسوق، وذلك لا يجوز.

وقال ابن عباس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل قد عمل السيئات ثم تاب، فنهى الله أن يعير بما سلف.

كما ورد في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله أنه قال : يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [ من عير مؤمناً بذنب تاب منه كان حقا على الله أن يبتليه به ويفضحه فيه في الدنيا والآخرة ].

وقد ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين