بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً يليق بجنابه الشريف وتعظيماً بمقامه الرفيع خير من أرسله الحق هادياً للخلق أجمعين

كلمة مكين باللغة العربية : مكين اسم علم مذكر عربي، بصيغة المبالغة من الفعل مكنَ . 
معناه : ذو المقام الرفيع، ذو المنزلة عند الأمير، القوي، المتمكن، المتين . وهو من الصفات التي ورد ذكرها في التنزيل .
قال تعالى في محكم آياته : بسم الله الرحمن الرحيم : ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ﴾ يوسف 54
أي ذو مكانة رفيعة ونفوذِ أمر .
– صفة مشبَّهة تدلّ على الثبوت من مكُنَ : ذو منزلة ورفعة شأن ” { إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ } : عظيم القدر والمكانة “. 
قول ابن عربي في هذه الآية : تمكينه في الأرض يتبوّأ منها حيث يشاء استخلافه بالبقاء بعد الفناء عند الوصول إلى مقام التمكين وهو أجر المحسن أي العابد لربّه في مقام الشهود لرجوعه إلى التفصيل من عين الجمع { ولأجر الآخرة } أي : الحظ المعنوي بلذّة شهود الجمال ومطالعة أنوار سبحات الوجه الباقي { خيرٌ للذين آمنُوا } الإيمان العيني { وكانوا يتقون } بقية الأنائية .
ولقصة سيدنا ذو القرنين مثالاً على تمكين القدرة والقوة التي منحت للعبد بقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } الكهف آية84 .
وقصة سيدنا ذي القرنين مشهورة وكان رومياً قريب العهد والتطبيق، إن ذا القرنين في هذا الوجود هو القلب الذي ملك قرنيه، أي : خافقيه شرقها وغربها { إنّا مكنّا له } في أرض البدن بالإقدار والتمكين على جمع الأموال من المعاني الكلية والجزئية والسير إلى أيّ قطر شاء من المشرق والمغرب . { وآتيناه من كل شيء } أراده من الكمالات { سبباً } أي : طريقاً يتوصل به إليه . { فأتبع } طريقاً بالتعلق البدني والتوجه إلى العالم السفلي . { حتى إذا بلغ مغرب الشمس } أي : مكان غروب شمس الروح . { وجدها تغرب في عين حمئة } أي : مختلطة بالحمأة، وهي المادة البدنية الممتزجة من الأجسام الغاسقة .
ثم أخبر عن السؤال وجوابه بالفضل والنوال بقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً } الكهف 83 .

إن السائل لا يرد وأن في القصص للقلوب عبرة وتقوية وتبيناً. وهذا من قول ابن عربي .
ومن تفسيرات الجيلاني للآية :
أخبر عنه سبحانه بقوله : { إِنَّا } من مقام عظيم جودنا وفضلنا { مَكَّنَّا لَهُ } وقدرناه { فِي ٱلأَرْضِ } تمكناً تاماً وقدرة كاملة { وَ } ذلك { آتَيْنَاهُ } أعطيناه تأييداً له وتعضيداً { مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً } الكهف 84 . موصلاً إلى مبتغاه وما أَمِلَه؛ ويعني : وفَّقنا وهيأنا أسبابه للوصول إلى كل مطلوبٍ قَصَدَه وأراد الوصول { فَأَتْبَعَ سَبَباً } الكهف 85 . حتى ارتكب أمر الوثوقة واتكاله علينا، وبإنجاحنا إياه إلى مبتغاه .
والجمال هنا أن الله سبحانه تعالى جعل بين أيدي خلفائه على الأرض هذا التمكين لمن أراده فما عليه إلا التعلم . فلم يكن لسيدنا يوسف عليه السلام أن يكون في هذه المكانة إلا بعلمه ومعرفة الله تعالى حق المعرفة فاستحق هذا الإكرام .
فتمعن بهذه الآيات والتفكرُ فيها عبادةٌ وتعلمٌ لمن أراد أن يصل لهذا التمكين وتمتع بهذا الإكرام .

والحمد الله تعالى على نعمة التعلم والمعرفة التي توصلنا للحق