بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة على سيدنا محمد السراج المنير وعلى آله وصحبه أجمعين

شقّ دوي الرصاصة سكون الظلام , وسقط أنف المهرج على الأرض , ليلحق به جسده الذي اخترقته رصاصة الرحمة , وتدحرج الأنف على مسار دائري وكأنه يرسم طواف حياة المهرج , ثم … عمّ السكون.

في الصباح وبعد الإبلاغ عن صوت إطلاق النار ومجيء الشرطة إلى الموقع , وبعد أن فحص الطبيب الشرعي جثة المهرج المستلقية على الأرض ولباس التهريج يغطيها , قرر الطبيب أن الذي حصل هو عملية إنتحار , وليست عملية قتل بفعل فاعل …. ولكن لماذا ينتحر المهرج … ثم أليس من المستغرب أن مهرجاً .. ينتحر !!!

هذا ما أثار فضول المحققة تهريج في قضية انتحار المهرج , وكانت متأكدة أن عملية الانتحار العجيبة هذه يجب أن تكون مرفقة مع أسباب واقعية تدعو للانتحار , فأخذت تبحث هنا وهناك , وتنظر بين الهنا والهناك , ولكنها لم تجد رسالة مكتوبة أو شرحاً لأسباب الانتحار , ومما زاد العجب عجباً أن مفكرة المهرج مليئة بمواعيد عروض التهريج , ولا يكاد يوم يخلو من سيرك يحتاجه , أو حفلة عيد ميلاد تتطلع لمجيئه , أو رجل أعمال كبير يدعوه للغداء فيفرج عنه ويضحكه … إذا لم يكن هناك مشكلة مادية تدفع هذا المهرج للانتحار , فالموضة هذه الأيام التهريج … .

وتساءلت تهريج , لماذا ينتحر المهرج إذا كان واقعنا يعتمد على المهرج ويطلبه , فمعاملاتنا الحكومية يسيّرها هذا المهرج , و القوانين لا تستطيع أن تعيش من دونه , أما تفكيرنا فقد وقّع معه عقد طويل الأمد , وصار هذا المهرج مشهوراً حتى بتنا نراه على كل القنوات الفضائية , وحتى عندما نطفئ التلفاز نجده قد انتقل بالأثير الهيولي فصار بين أهل البيت في معيشتهم وحواراتهم وعواطفهم , أما صوره فانتشرت على كل المناهج الدراسية , وصار كبار الساسة يذكرون مهرجنا في خطاباتهم السياسية لفرط حبهم له , ويتشبهون به في تصرفاتهم وأعمالهم لفرط اقتناع الناس به , أما صانعو القرار فقد اعتمدوه لديهم مستشاراً سامياً , والأعجب من ذلك أنه مهرج مارق , يستطيع أن يميز المتمشيخ (مدعي المشيخة) فيوقعه في غرامه , فيكاد هذا المتمشيخ كما الآخرين أن يرتدي أنف المهرج الأحمر قبل ظهوره على التلفاز أو صعوده المنبر , أما معاييرنا في التعامل مع بعضنا البعض فقد استأثرت على وقت المهرج كله .

أغلقت المحققة تهريج مفكرة المهرج , وقلبت مجموعة من الجرائد فاندهشت لوجوده في كل العناوين , تارة يدشن وتارة يفتتح , وتارة يستقبل المهرجين الخبراء من دول أخرى , حتى مقالات الجريدة كانت من كتابته وهكذا لا ترى مجال من مجالات الحياة إلا وقد استعار من المهرج لباسه وأنفه الأحمر.

حينها أدركت المحققة أن المهرج كان مضغوطاً جداً , وعليه أعباء أكثر مما يتحمله , وربما هذا ما دعاه للانتحار, ولكن لماذا ينتحر وهو يرتدي أنفه الأحمر ..!! هل هذه بروتوكولات انتحار المهرج ؟؟

إييييه .. هذا الأنف الأحمر أكاد أراه في كل مكان .. قالت المحققة .. في العقول التي تدعي العلم وترفض الإيمان باسم العلم , أليس هذا تهريجاً! , في الأصوات التي تنادي بالتفلت باسم التحرر , أليس هذا تهريجاً! , وبالأصوات التي تنادي إلى التزمت باسم الدين , أليس هذا تهريجاً! , وأكبر أنف أحمر وجدته عندما يُحمل على الأولياء وِلايَتَهُم ويُنكر عليهم ذلك ويُقال للولي …. “إتقِ الله” !!!! .

فما أكبر الأنف الأحمر!! , وفجأة نظرت المحققة إلى المرآة ثم تنفست الصعداء أنها لم تجد على صورتها أنفاً أحمراً , ثم شردت قليلاً في فكرة فأضحكتها وقالت : من الستر الجميل أن أنف المهرج هو المشهور وليس شيء آخر ….. . على الأقل نرى على وجوه الناس أنوفاً حمراء …. .

نظرت المحققة إلى جثة المهرج وابتسمت , ثم توجهت إلى الشرطي وقالت أغلق المحضر , لقد عرفت لماذا انتحر هذا المهرج المشهور.

نظر إليها الشرطي مندهشاً!

قالت تهريج : لقد انتحر لأن الجميع اعتدى على كل ما في مهنته وأتقنها إلا سعيه لإضحاك الناس.

فانتبه أن ترى على وجهك …. أنف المهرج الأحمر!