بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على السراج المنير و المعلم الحكيم سيدنا محمد المصطفى و على آله و صحبه أجمعين إلى يوم الدين

يعد العلامة العربي “عبد الرحمن بن خلدون” من الشخصيات الاسلامية المعروفة التي ذاع صيتها في أرجاء الأرض شرقاً و غرباً , و قد ارتبط اسمه بشكل واضح بكتابه الشهير ” مقدمة ابن خلدون ” – و هو عبارة عن مقدمة لمؤلَفه التاريخي الضخم المسمى ” كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” – و الذي قدَّم من خلاله ابن خلدون نتاجاً فكرياً نادراً و متميزاً لا زال الناس يتدارسونه باعجاب إلى وقتنا الراهن , كما تم ترجمة المقدمة و شرحها بعدة لغات عربية و أجنبية .

إن نظريات و قوانين ابن خلدون في هذا الكتاب قائمة و مستقاة من عدة مصادر أحدها هو القرآن الكريم و السنة الشريفة , و قد خاض خلاله في عدة ميادين علمية و معرفية كالجغرافيا و التاريخ و السياسة و الاقتصاد والتربية و علم الاجتماع بشكل خاص و إلى ما غير ذلك… لا يسعنا الحديث عنها جميعاً في سطور قليلة وافية , لذا ننقل لكم بعضاً منها كما يلي :

تمر الدولة عند ابن خلدون بـ 5 أطور و 4 أجيال :

” حالات الدولة و أطوراها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار :

الطور الأول : طور الظفر بالبغية و غلب المدافع و الممانع و الاستيلاء على الملك و انتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها . فيكون صاحب الدولة في هذا الطور أسوة قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية، لا ينفرد دونهم بشيء لأن ذلك هو مقتضى العصبية التي وقع بها الغلب وهي لم تزل بعد بحالها .

الطور الثاني : طور الاستبداد على قومه و الانفراد دونهم بالملك وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة . ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنياً باصطناع الرجال واتخاذ الموالي والصنائع، والاستكثار من ذلك لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبه ، الضاربين في الملك بمثل سهمه , فهو يدافعهم عن الأمر ويصدهم عن موارده ويردهم على أعقابهم، أن يخلصوا إليه، حتى يقر الأمر في نصابه و يفرد أهل بيته بما يبني من مجده فيعاني من مدافعتهم و مغالبتهم مثل ما عانى الأولون في طلب الأمر أو أشد , لأن الأولين دافعوا الأجانب فكان ظهراؤهم على مدافعتهم أهل العصبية بأجمعهم، وهذا يدافع الأقارب لا يظاهره على مدافعتهم إلا الأقل من الأباعد، فيركب صعباً من الأمر.

الطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال وتخليد الأثار وبعد الصيت، فيستفرغ وسعه في الجباية وضبط الدخل والخرج وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة والأمصار المتسعة والهياكل المرتفعة، وإجازة الوفود من أشراف الأمم ووجوه القبائل وبث المعروف في أهله، هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه، واعتراض جنوده وإدرار أرزاقهم و انصافهم في أعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشكتهم وشاراتهم يوم الزينة، فيباهي بهم الدول المسالمة، ويرهب الدول المحاربة . وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد من أصحاب الدولة لأنهم في هذه الأطوار كلها مستقلون بآرائهم، بانون لعزهم ، موضحون الطرق لمن بعدهم .

الطور الرابع :طور القنوع والمسالمة . ويكون صاحب الدولة في هذا قانعاًً بما بناه أولوه , سلماً لأنظاره من الملوك و أقتاله , مقلداً للماضيين من سلفه فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى أن في الخروج عن تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.

الطور الخامس : طور الإسراف والتبذير . ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفاً لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه ، واصطناع أخدان السوء وخضراء الدمن، وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستلفون بحملها، ولا يعرفون ما يأتون و يذرون منها , مستفسداً لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا عليه، ويتخاذلون عن نصرته مضيعاً من جنده بما أنفق من أعطياتهم في شهواته , و حجب عنهم وجه مباشرته و تفقده فيكون مخرباً لما كان سلفه يؤسسون، وهادماً لما كانوا يبنون . وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم ، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخفص منه، ولا يكون لها معه برء إلى أن تنقرض ” .

 – و قد أفاد بعض العلماء الدارسون بأن هذه الأطوار هي في أساسها تقوم على 3 أطوار رئيسية هي : طور النشأة والميلاد ، وطور القوة والارتقاء ، وطور التفتت والسقوط , و هي تقابل عند ابن خلدون مما تم ذكره (الطور الأول – الطور الثالث – و الطور الخامس) , أما الطور الثاني عنده فهو حقيقةً مرحلة انتقالية (تمهيدية) إلى الطور الثالث , و كذلك الطور الرابع هو مرحلة انتقالية إلى الطور الخامس .

– و يعلّق آخرون : ” و يرى ابن خلدون أنَّ بداية انحلال الدولة يرجع إلى عنصرين هما: انحلال العصبية ، والانحلال المالي نتيجة تبذير السلطان ، ولهذا تنهار الدولة سياسياً واقتصاديا ” .

 قال تعالى : {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ }مريم40

و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل

                                                                    

يــــــــتبع في العدد القادم إن شاء الله تعالى …