بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على السراج المنير و المعلم الحكيم سيدنا محمد المصطفى و على آله و صحبه أجمعين إلى يوم الدين

كنا قد تحدثنا في العدد السابق عن كتاب ” مقدمة ابن خلدون ” و الذي يخوض من خلاله مؤلفه العربي المعروف “عبد الرحمن ابن خلدون ” في عدة ميادين علمية و معرفية كالجغرافيا و التاريخ و السياسة و الاقتصاد والتربية و علم الاجتماع بشكل خاص و إلى ما غير ذلك .. حيث استقى نظرياته و قوانينه فيه من عدة مصادر أحدها هو القرآن الكريم و السنة الشريفة … لا يسعنا الحديث عنها جميعاً في سطور قليلة وافية , لذا ننقل لكم بعضاً منها كما يلي :

تمر الدولة عند ابن خلدون بـ 5 أطور و 4 أجيال :

للدولة 3 أجيال أساسية أما الجيل الرابع فلا يكاد ابن خلدون يذكره :

” وأما أعمار الدول أيضاً و إن كانت تختلف بحسب القرانات إلا أن الدولة في الغالب لا تعدو أعمار 3 أجيال , والجيل هو عمر شخص واحد من العمر الوسط ، فيكون أربعين الذي هو انتهاء النمو والنشوء إلى غايته , قال تعالى ” : حتى إذ ا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ” . ولهذا قلنا أن عمر الشخص الواحد هو عمر الجيل . ويؤيده ما ذكرناه في حكمة التيه الذي وقع في بني إسرائيل، وأن المقصود بالأربعين فيه فناء الجيل الأحياء و نشأة جيل آخر لم يعهدوا الذل ولا عرفوه ..

الجيل الأول : لم يزالوا على خلق البداوة وخشونتها وتوحشها من شظف العيش والبسالة والافتراس والاشتراك في المجد ، فلا تزال بذلك سورة العصبية محفوظة فيهم ، فحدهم مرهف ، وجانبهم مرهوب و الناس لهم مغلوبون .

الجيل الثاني : تحول حالهم بالملك والترفه من البداوة إلى الحضارة ومن الشظف إلى الترف والخصب ، ومن الاشتراك في المجد إلى انفراد الواحد فيه وكسل الباقين عن السعي فيه ، ومن عز الاستطالة إلى ذل الاستكانة فتنكسر سورة العصبية بعض الشيء ، و تؤنس منهم المهانة والخضوع ، و يبقى لهم الكثير من ذلك , بما أدركوا الجيل الأول وباشروا أحوالهم وشاهدوا من اعتزازهم وسعيهم إلى المجد ومراميهم في المدافعة والحماية ، فلا يسعهم ترك ذلك بالكلية ، وإن ذهب منه ما ذهب ، ويكونون على رجاء من مراجعة الأحوال التي كانت للجيل الأول ، أو على ظن من وجودها فيهم .

الجيل الثالث : ينسون عهد البداوة والخشونة كأن لم تكن ، ويفقدون حلاوة العز والعصبية بما هم فيه من ملكة القهر ويبلغ فيهم الترف غايته بما تفنقوه من النعيم وغضارة العيش ، فيصيرون عيالاً على الدولة ، ومن جملة النساء والولدان المحتاجين للمدافعة عنهم ، وتسقط العصبية بالجملة ، وينسون الحماية والمدافعة والمطالبة ، وينسون على الناس في الشارة و الزيّ وركوب الخيل وحسن الثقافة يموهون بها ، وهم في الأكثر أجبن من النساء على ظهورها ، فإذا جاء المطالب لهم لم يقاوموا مدافعته ، فيحتاج صاحب الدولة حينئذ إلى الاستظهار بسواهم من أهل النجدة ، ويستكثر بالموالي ، ويصطنع من يغني عن الدولة بعض الغناء ، حتى يتأذن بانقراضها فتذهب الدولة بما حملت فهذه كما تراه ثلاثة أجيال فيها يكون هرم الدولة وتخلفها .

الجيل الرابع : و لهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع ” كما مر في أن المجد والحسب إنما هو في أربعة آباء “. ( ملاحظة : لم يتم التشديد على الجيل الرابع فلا يكاد ابن خلدون يذكره – غالباً لأنه فقد الاحترام و السلطة كما يشير البعض ). .

” وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة على ما مر ، ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده ، إلا أن عرض لها عارض آخر من فقدان المطالب ، فيكون الهرم حاصلاً مستولياً … فهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيد إلى سن الوقوف ، ثم إلى سن الرجوع ” .

أقوال أخرى متفرقة لابن خلدون في كتابه :

” الظلم مؤذن بخراب العمران …‏ فإذا قعد الناس عن المعاش وانقبضت أيديهم عن المكاسب 
كسدت أسواق العمران , وانتقضت الأحوال و ابذعر الناس في الآفاق من غير تلك الإيالة في طلب الرزق فيما خرج عن نطاقها , فخف ساكن القطر وخلت دياره وخربت أمصاره واختل باختلاله حال الدولة والسلطان “.

” في أخبار الفرس عن الموبذان صاحب الدين .. قال : ‏إن المَلك لا يتم عزه إلا بالشريعة والقيام لله بطاعته والتصرف تحت أمره ونهيه ولا قوام للشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل‏ ” .‏
” هذا العالم بما فيه من المخلوقات كلها على هيئة من الترتيب والإحكام، وربط الأسباب بالمسببات ، واتصال الأكوان بالأكوان ، واستحالة بعض الموجودات إلى بعض ، لا تنقضي عجائبه في ذلك ولا تنتهي غاياته ” .

آراء أخرى لبعض الدارسين لكتاب ابن خلدون :

” (تبعاً لابن خلدون) – يقع الخراب بالظُّلم دفعةً واحدةً عند أخْذ أموال النَّاس مجَّاناً، والعدْوان عليْهم في الحُرَم والدماء ، ويقع الخراب بالتدريج ، بإحْدى الوسائل الثَّلاثة الآتية :
1- بذرائع باطلة يتوسَّل بها ؛ كالمكوس (الضَّرائب) المحرَّمة والوظائف الباطلة .
2 – تكْليف الأعمال وتسخير الرعايا بها ؛ حيثُ يغتصبون قيمة عملهم .
3 – التَّسلُّط على النَّاس في شراء ما بأيديهم بأبْخس الأثمان – ( والقصد هنا هو سياسة الاحتكار , بما يتبع ذلك من فرض البضائع عليهم بأعلى الأثمان على وهم الغصب والإكراه في الشراء والبيع ) .

” العلم والتعليم -(عند ابن خلدون)- أمران أساسيان في العمران مرتبطان به إيجاباً وسلباً ، فحيث يزدهر العمران تكاد تكون سوق العلم نافقة ، فإذا لم يتوفر العلم في المجتمع صارت الرحلة في طلبه أمراً ضرورياً ، ومن ثم فحيث يزدهر العلم يرقى العمران ، والعكس صحيح “.

 

قال تعالى : { إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } مريم40

و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل