بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله فاطر السماوات و الأرض رب العرش الكريم

و الصلاة و السلام على حبيب رب العالمين و حبيبي سيد البشر و المرسلين منبع نور الرحمة للعالمين و على آله وصحبه و ورثته أجمعين .

أسفر الصبح و أضاء و أطلت شمس علوم ربانية حقّة فأشرقت الأرض بنورها ، و تحركت قلوب تطلب مزيداً مزيداً … فما كان من ربها إلا أن زادها قرباً و نعيماً … فرفعها مكاناً عليّاً … فأطلعها على صحفٍ مكرمة مرفوعة مطهرة … فـــــكـــــانــــوا ســــفــــرة …

و كان الإنعام و التكريم و العطاء الجزيل بتقليدهم لقب سفير كريم ، إعلاناً كونياً بقرار رباني ، و بنص قرآني قديم معجز مبهر .

فالسافر و السفير : مفرد السفرة ، وأصل الفعل ( سَفَرَ ) فالسين والفاء والراء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على الانكشاف والجَلاء .

و قد أثبت الدستور الرباني فعل الإسفار و اشتقاقاته في ثلاثة مواضع ، هي :

قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم : (( وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ)) المدثر 34

و القول هنا ” أسفر الصبح ” : أي إذا أضاء ، وقد سئل الإمام أَحمد بن حنبل عن الإِسْفارِ بالفجر فقال : هو أَن يُصْبِحَ الفَجْرُ لا يُشَكُّ فيه ، و يجوز أن يكون من سَفر الظلام أي كَنَسَه ، كما يُسفر البيت أي يكنس ، و المسفرة : أي المكنسة ، و هو الأصل .

و هكذا كان أول ذكر الجذر (س ف ر) بفعل مفتتح بالهمزة ، فكان قراراً ذاتياً لا تماريّ فيه بانكشاف الحجب و رفعها فظهر النور و جلا الظلام فأشرقت الأرض بنور ربها .

ثم قوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم : (( بِأَيْدِي سَفَرَةٍ )) عبس 15

و قد جاء في الأثر عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما : أي الكتَبة ، و هم الملائكة الكرام الكاتبين لأعمال العباد في الأسفار ، التي هي الكتب ، وأحدهم : سافر ، كقولنا كاتب و كتبة ، ويقال : سَفّرت أي كتبتُ ، و الكتاب : هو السِّفر ، وجمعه أسفار ، و سفرت الكتاب أسفره سفراً ، و إنما قيل للكتاب سِفر ، و للكاتب سَافِر : لأنه يبين الشيء و يوضحه .

و قال قتادة : السفرة : هم القُرّاء ، لأنهم يقرءون الأسفار ، وقد روي في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وآله و سلم قال : ( مثل الذي يقرأ القرآن و هو حافظ له ، مع السفرة الكرام البررة ، و مثل الذي يقرؤه و هو يتعاهده ، و هو عليه شديد ، فله أجران ) متفق عليه ، و اللفظ للبخاري .

والسَّفِيرُ الرَّسول والمصلح بين القوم ، والجمع سُفَراءُ ؛ وقد سَفَرَ بينهم يَسْفِرُ سَفْراً وسِفارة وسَفارة : أَصلح ، و سميت الملائكة سَفَزَةً لأَنهم يَسْفِرُونَ بين الله وبين أَنبيائه ؛ و قيل سمّوا سَفَرَةً لأَنهم ينزلون بوحي الله تعالى وبإِذنه وما يقع به الصلاح بين الناس ، فشبهوا بالسُّفَرَاءِ الذين يصلحون بين الرجلين فيصلح شأْنهما .

وهكذا كان الذكر الثاني خاص بالحضرة الملائكية ، فهؤلاء السفراء هم أهل هذه الأسفار القائمين عليها المرسلين بمضمونها إلى غيرهم ، فناسب الكشف معرفة هذه الحضرة بما في الأسفار من علوم و أقدار و أرزاق و عطاء ، بينما ناسب الجلاء في كون هذه الحضرة هي الناقل لعلوم الأسفار و الأسرار للحضرة البشرية لينصلح حالها ، و يجلا بلائها و يزول ليلها و يشرق نهارها .

ثم قال جلّ و علا : بسم الله الرحمن الرحيم : (( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ )) عبس 38

أَيْ مُشْرِقَة مُضِيئَة , قَدْ عَلِمَتْ مَالهَا مِنْ الْفَوْز وَالنَّعِيم , وَهِيَ وُجُوه الْمُؤْمِنِينَ .

فناسب هذا الختام للذكر القرآن للجذر (س ف ر) هذا المعنى فهذه الذوات التي بلغها نور ربها فأشرقت به ، فناسب الكشف شهود هذه الوجوه لنور ربها فأضاءت به ، و ناسب الجلاء زوال همومها و تعلقها بأغيار لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً ، فكانت مسفرة مستبشره ، بمفازتها و حسن ثواب . فطوبى لمن حمل اللقب ونال الشرف فهم سفرة كرام بررة .