بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على سيدنا محمد نور الحب الساري في القلوب وسر الحق الداخل في جنان العبيد سيد الجمع وجامع الأسياد في جمع جمع الجمع وآله وصحبه أجمعين

هذه القصة مبنية على حقيقة حدثت وإنما صيغت بفنتازيا .

تناول الحبة ونام وكله شوق لرؤية حقيقته في المنام , على الرغم من أن الصيدلاني لم يقل له أنه سيرى الحقيقة في المنام ولكن هه … وهل يقصد مكاناً آخر بقوله : ” خذ هذه الحبة بعد العشاء مع كأس ماء كامل ونم ” , وعلى الرغم من استعجاله ولكن الحماس منعه من أن يغط في النوم بسرعة , فالقصة كلها من أولها حتى هذه اللحظة عجيبة غريبة , فكيف تأتي سيارة متنقلة تبيع الأدوية وتقف أمام الجامع !!؟؟ وكيف يكون أصلاً دواء لمعرفة الحقيقة ؟؟!! وكيف ينتهي به المطاف متناولاً الحبة ومصدقاً أصلاً ما جرى , المهم أنه الآن بدء يغط في النوم ونام فعلاً ….

باستثناء لخبطات وصور غير مترابطة لم يرَ سالك ابن طريقة شيئاً يذكر في منامه , إنه يشعر بالسخط على هذا الصيدلاني الذي كذب عليه , لا أستغرب لماذا جاء بسيارة متنقلة أمام المسجد , أكيد حتى يهرب ولا يستطيع الزبائن ملاحقته في اليوم الثاني , ولكن ما أن جلس سالك ابن طريقة على سريره حتى صُعق !!!

يا إلهي ما هذا الذي أراه .. قَرَصَ جِلْدَ يده فآلمه .. إنه لا يرى منام بل هي اليقظة .. لقد كانت الغرفة من أرضها حتى سقفها مغمورة بألعاب وعلب وأشياء وخردوات ودفاتر حتى أنه لا يستطيع أن يرى يده إذا بسطها , وكأن المكان كله مغمور بالماء ولكن عوضا عن الماء كانت هذه الأشياء , دفعها سالك متجسساً طريقه نحو الباب , متعثراً تارةً بالكرسي وتارةً بالطاولة , ممتعضاً من علبة المياه الغازية الفارغة التي دخلت عينه و منزعجاً من قلم الرصاص الذي يخزه في … فمه , بالنهاية من الصعب السير في غرفة مغمورة بالكراكيب والخردوات , ولكن لا بأس المهم أن أصل إلى باب الغرفة وأخرج منها , وأخيراً وصل سالك إلى باب غرفته وأمسك بالمقبض وتريث قبل أن يفتح الباب متخيلاً كيف ستتدفق هذه الأشياء من غرفته إلى الممر , ثم فتح الباب ….. ولكن مفاجأته كانت أكبر , لقد كان الممر ممتلئ من أرضه حتى سقفه ومن جداره حتى جداره الآخر بعلب و صندويتشات و عناوين و سيديات و … و … لدرجة أنك لا تستطيع أن ترى شيئاً من الممر ولا ترى إلا كيس النايلون الفارغ الملتصق بوجهك والمكتوب عليه (( أهلاً وسهلاً شكراً لزيارتكم لسنا الوحيدون ولكننا الأفضل )) , لقد أدرك سالك ابن طريقة في تلك اللحظة عدم جدوى التماس الطريق إلى الصالون أو الحمام أو المطبخ لأنه من المؤكد أن هذه الأشياء العائمة والمتراكمة فوق بعضها البعض قد غمرت البيت كله , لذلك الحل الوحيد هو الخروج من البيت والإتصال من عند الجيران بعمال النظافة حتى ينظفوا هذا البيت , وبالفعل توجه بخطى صغيرة سالك ابن طريقة متجهاً نحو باب البيت ومرتطماً بهذه الأشياء , لأنك وإن حاولت أن تبعدها بيدك عن وجهك ستحل محل الأشياء المبعدة أشياء أخرى مجاورةً لها تسد الطريق من أمامك .

لا عليك يا سالك فإن أطول الطرق تبدأ بخطوة , وليست المسافة بينك وبين باب البيت بطويلة , خطوة خطوة وتصل , ولكن مهلاً إنني أعرف هذا الدفتر الذي دخلت ورقة غلافه في عيني للتو , إنه مألوف لدي … آه نعم نعم تذكرت إنه دفتر مذكراتي العزيز ماذا يفعل هنا , وهذه قنينة المياه الغازية التي انحشرت في رقبتي كنت أحب هذا النوع لأنني لا أستطيع الغداء بدونها , وهذه آآآي ما هذا الذي دخل في قدمي , آه نعم هذه علبة السيديات التي أعشقها , أما هذا الذي دخل للتو في فمي فهو جهاز تحكم التلفاز , ولكن مهلاً … إن هذه الأشياء كلها هي أشيائي , نعم هذه دميتي التي كنت أنام معها في الصغر , وهذه كتبي التي كنت أحلم وأنا أقرأها , وتلك حصالتي التي كنزت فيها أموالي , وذلك كمبيوتري الذي أقضي أمامه ساعات أشاهده ويشاهدني , و .. و… ماذا تفعل هذه الأشياء هنا ولماذا هي متراكمة هكذا , وهذا الصندويش والهمبرغر والحلويات التي أنشغل في الإشتهاء عليها وتناولها …إه الحمد لله الذي جعل هذه الأشياء مألوفة تونسني في بطن الممر حتى وصلت إلى باب البيت , وفتح الباب وكله أمل أن يجد إنفساحاً في العالم الخارجي ويتنفس , ولكن وكما أتوقع أنكم تتوقعون وجد البناية كلها ممتلئة بأشيائه , وعرف هنالك سالك ابن طريقة أنه وإن خرج من البناية فسيرى أشياءه وقد غمرت العالم حتى أنه تخيل نفسه يرى خردواته وهي تغطي الكرة الأرضية إذا ما شاهدها من مكوك فضائي … وجاءه صوت من داخله أنك لن تستطيع أن ترى الكرة الأرضية إن صعدت بمكوك لأن أشياءك تغمر عالمك كله … هنا وفي هذه اللحظة تماماً شعر بالإختناق ودعا ربه مخلصاً أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين , وتوقع أن تأتي قوة ملكوتية هائلة تقذفه من هذا السجن وترميه في الخلاص ولكن عوضاً عن ذلك حصل شيء مريع … فقد اصطفت أشياؤه كلها بإنتظام وسألته كلها بصوت واحد : ” ما ظُلمُكَ الذي ظلمت ؟ ” .

ساد الصمت ….

أوو أوو … لم أتوقع هذا السؤال التعجيزي … ولم يخبرنا أئمة المنابر بذلك عندما كانوا يروون لنا قصة سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام مراراً وتكراراً ….. هذه الفقرة بالذات لم نأخذها , ونظر سالك إلى الأشياء فوجدها تتبسم بسخرية وكأنه تقول له بفرح وشماتة ” مش سايبينك وراك وراك وقدامك قدامك وجنبك جنبك “.

هنا جاءت النجدة الإلهية التي كان يتوقعها ولكن ليس بالشكل الذي توقع فقد جاء صوت كأنه يعرفه ولكن لا يستطيع أن يرى من المتكلم لشدة تراكم الأشياء , قال :” لأنه ملأ عالمه بخردوات فصار تاريخه وذكرياته أنتم , فيوم القيامة بِكُم سيقابل ربه وستونسونه في خلوته مع الحق أيما إيناس إذا سأله بماذا شغلت قلبك !!! “.

بكى سالك ابن طريقة بكاء شديداً لدرجة أنه لم يشعر باليد التي امتدت من الأسفل وسحبته إلى الأعلى فرأى نفسه في غرفة بيضاء وأمامه … لا إنه ذلك الصيدلاني الذي غشه في الدواء , ما هذا الدواء الذي أعطيتني حتى هذيت هكذا , لقد سممتني وجعلتني أهلوس , قال الصيدلاني :” معك حق فشدة ظهور الحقيقة تهلوس وترى الناس سكارى وما هم بسكارى , أليس من المعيب أن تكون يا سالك عبارة عن حاوية مياه معدنية وقشور موز وبقايا صندويش ولعبة ومعجون وقلم ؟؟؟!!!”.

رجعت إلى نفسي فوجدت كلام هذا الصيدلاني مصيب , فقد جعلني الدواء في النهاية أرى الحقيقة وهي أن باطني مليئ بالكثرة ومشغول عن الوحدة والتوحيد , في النهاية أليس بيت الله تعالى وكعبته فارغ من الداخل …. ولكن من أنت أيها الصيدلاني ؟ خلع الصيدلاني الشعر المستعار و ملص الشارب الملتصق و نزع طقم الأسنان و مسح بمنديله المكياج من على وجهه وقال و سالك معقودة الدهشة على وجهه أنا شيخك يا عبدو جئت لأخلصك مما أنت عليه إلى ما يريدك هو أن تكون به .

انهال سالك على يد شيخه يقبلها على هذا الدرس وعاهد ربه في قلبه أن يخلي صاده من كل شيء سوى الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين على نعمة الإخلاص .