بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وصلوات ربي وسلامه على سيدينا محمد خير من آتاه الله الحكمة فلزم الصمت حيث لزم وتكلم بالحق وتحقق به وسلامه سلاماً أنار بنوره حُبك صلاتنا بملكوته سٌبلاً أغدقها علينا ليهدينا بها إلى صراط علمه وحكمته

 

الصمت في اللغة :

صَمَتَ الشخص : لم ينطق .

صَمْتٌ : سكوت .

وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله تعالى : ( وَإِنْ تَدْعوهُمْ إِلى الْهُدى لا يَتَّبِعوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُموهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتونَ ) الأعراف193

أما في الإصطلاح الصوفي :

قول الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم :

” رحم الله من قال خيراً فغنم، أو سكت فسلم ” .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ” لا يستقيمُ إيمان عبد حتى يستقيمَ قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه “

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ” إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تُكَفِّر اللسان ( تذل له وتخضع ) تقول : اتق الله تعالى فينا، فإنما نحن بك ، فإن استقمتَ استقمنا ، وإن اعوَجَجْتَ اعوَجَجْنَا ” صحيح الترمذي .

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ” إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ، ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، يكتُبُ الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ، وإن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من سخط الله ، ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت ، يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه ” .

ويقول العلامة الدمشقي الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب :

الصمت لوجهه تعالى مفتاح روحي لتجليات اسمه المتكلم على العبد , إسمع إن شئت   ( واتقوا الله ويعلمكم الله ) .

فيقول الإمام جعفر الصادق عليه السلام :

الصمت : هو شعار المحققين بحقائق ما سبق وجف القلم به ، وهو مفتاح كل راحة من الدنيا والآخرة ، وفيه رضى الله تعالى ، وتخفيف الحساب ، والصون من الخطايا والزلل . وقد جعله الله تعالى ستراً على الجاهل وزينا للعالم ، ومعه عزل الهوى ورياضة النفس وحلاوة العبادة وزوال قسوة القلب والعفاف والمروءة والظرف .

وقال الشيخ أبو طالب المكي :

قال بعض العلماء : الصمت : نوم العقل ، والنطق يقظته ، وكل يقظة تحتاج إلى نوم ، وما صمت عاقل قط إلا اجتمع عقله وحضر لبه .

وقال الإمام القشيري :

الصمت : هو فقد الخاطر لوجد حاضر .

وهو : سقوط النطق لظهور الحق .

وهو : انقطاع اللسان عند روح العيان .

وهو : ذهاب العبارة عند مفاجئة الزيارة .

وهو : بهت القلب تحت كشف الغيب .

ويقول : قال بعضهم : الصمت : لسان الحلم .

وقال الشيخ ماجد الكردي :

الصمت : عبادة من غير عناء ، وزينة من غير حلي ، وهيبة من غير سلطان ، وحصن من غير سور ، وراحة للكاتبين ، وغنية من الإعتذار .

* في أقسام الصمت *

يقول الشيخ أبو حفص الحداد :

صمت العوام : بلسانهم .

وصمت العارفين : بقلوبهم .

وصمت المحبين : من خواطر أسرارهم .

ويقول الشيخ ابن عطاء الله السكندري :

الصمت نوعان :

أوله : صمت باللسان .

وثانيه : صمت بالجنان ، وكلاهما لا بد منه في الطريق ، فمن صمت قلبه ونطق لسانه : نطق بالحكمة ، ومن صمت لسانه وصمت قلبه : تجلى له سره ، وكلمه ربه وهذا غاية الصمت .

ويقول الشيخ الأكبر ابن عربي :

الصمت على قسمين :

1- صمت باللسان عن الحديث بغير الله تعالى ، مع غير الله تعالى جملة واحدة .  

2- صمت بالقلب عن خاطر خطر له في النفس ، في كون من الأكوان البتة .  

– فمن صمت لسانه ولم يصمت قلبه : خف وزره .

– ومن صمت لسانه وقلبه : ظهر له سره ، وتجلى له ربه .

– ومن صمت قلبه ولم يصمت لسانه : فهو ناطق بلسان الحكمة .

– ومن لم يصمت بلسانه ولا بقلبه : كان مملكة للشيطان ، ومسخرة له .

فصمت اللسان : من منازل العامة ، وأرباب السلوك .

وصمت القلب : من صفات المقربين ، وأهل المشاهدات .

وحال صمت السالكين : السلامة من الآفات .

وحال صمت المقربين : مخاطبات التأنيس .

فمن التزم الصمت في جميع الأحوال كلها ، لم يبق له حديث إلا مع ربه ، فإن الصمت على الإنسان محال في نفسه .

فإذا انتقل من الحديث مع الأغيار ، إلى الحديث مع ربه ، كان نجياً مقرباً مؤيداً في نطقه .

وإذا نطق نطق بالصواب لأنه ينطق عن الله تعالى .

فالنطق بالصواب نتيجة الصمت عن الخطأ ، والكلام مع غير الله تعالى خطأ ، بكل حال ، وبغير الله تعالى سوء من كل حال … ولحال الصمت مقام روحي على ضروبه . والصمت يورث معرفة الله تعالى وتقدس ، فالصمت المحمود :

أي أن تصمت عن كل ما حرم الله تعالى ونهى عنه ، مثل : الغيبة والنَّمِيمَة والبذاءة وغيرها، وكذلك الصمت عن الكلام المباح الذي يؤدي بك إلى الكلام الباطل .

قال ابن عبد البر :

وإنما الصمت المحمود الصمت عن الباطل .

وقال العيني :

الصمت المباح المرغوب فيه ترك الكلام الباطل ، وكذا المباح الذي يجر إلى شيء من ذلك

والصمت المذموم كالصمت في المواطن التي يتطلب منك أن تتكلم فيها ، مثل : الأماكن التي ترى فيها المنكرات ، وكذلك الصمت عن نشر الخير ، وكتم العلم .

وقد اختلف الفقهاء في الصمت هل هو حرام أو مكروه ؟ والتحقيق أنه إذا طال وتضمن ترك الواجب صار حرامًا كما قال الصديق رضي الله عنه .

قال علي بن أبي طالب :

لا خير في الصمت عن العلم ، كما لا خير في الكلام عن الجهل .

وقال ابن تيمية :

والصمت عما يجب من الكلام حرام ، سواء اتخذه دينًا أو لم يتخذه .

وقال أيضاً : فقول الخير وهو الواجب أو المستحب خير من السكوت عنه .

وقال الباجي :

وأما الصمت عن الخير وذكر الله عز وجل ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فليس بمأمور به ، بل هو منهي عنه نهي تحريم ، أو نهي كراهة .

وقال العيني :

والصمت المنهي عنه ترك الكلام عن الحق لمن يستطيعه ، وكذا المباح الذي يستوي طرفاه في فوائد الصمت .

يقول الشيخ ابن عطاء الله السكندري :

الصمت عند أهل الطريقة من لازمه ارتفع بنيانه وتم غراسه .

ويقول الشيخ قطب الدين البكري الدمشقي :

من صمت لسانه وقلبه ، انكشفت له الأسرار ، وجليت عليه المعارف الأبكار . فإذا صمت المريد بقلبه ولسانه انتقل إلى المحادثة السرية ، لأن صمت الإنسان في نفسه لا يمكن أصلاً ، وهذا الصمت يورث معرفة الله سبحانه وتعالى .

ويقول الشيخ أحمد الكمشخانوي النقشبندي :

الصمت يسهل العزلة ولا يتكلم الصامت إلا بقدر الضرورة ، فإن الكلام يشغل القلب ويثقل التجريد للذكر والفكر .

* في المفاضلة بين الصمت والنطق *

يقول الشيخ أحمد الكمشخانوي النقشبندي :

اختلف الناس في تفضيل أحدهما على الآخر ، والأصح أن كل واحد منهما أفضل من الآخر في بعض المواضع ، ولكن الموفق هو من يعرف موضع الصمت وموضع النطق في النهي عن الصمت عن الحق .

يقول الشيخ أبو علي الدقاق :

من صمت عن الحق فهو شيطان أخرس .

* في مضرة الإفراط بالصمت *

يقول الشيخ أحمد الكمشخانوي النقشبندي :

واعلم أن الإفراط من الصمت مضر بالحكمة .

* في الصمت الذي لا يعول عليه *

يقول الشيخ الأكبر ابن عربي :

من صمت بلسانه وتكلم بالإشارة فصمته لا يعول عليه .

ويقول : الصمت العام لا يعول عليه .

* في حد الصمت *

يقول الشيخ أبو بكر الفارسي :

حد الصمت : هو أن لا ينطق العبد إلا فيما يعنيه وما لا بد منه .

ويقول الشيخ محمد بن عبد الجبار النفري :

الصمت شاهد التثبيت والتأييد ، والنطق شاهد الرسوخ والتمكين . فمن نطق في التثبيت والتأييد لم يفصح عن حقيقة ولم يوضح عن مبلغ ، وصاحب الرسوخ والتمكين إن نطق فبحقيقة ، وإن صمت فلحقيقة .

قول الإمام علي كرم الله وجهه :

” تكلموا تعرفوا ، فإن المرء مخبوء تحت لسانه ” .

قول عمر بن عبد العزيز :

” من لم يعد كلامه من عمله، كثرت خطاياه ” .

ويقول الشيخ الشعرواي رحمه الله تعالى :

لاتستخدم لسانك إلا في شيئين :

الإبتسامة والصمت .

الإبتسامة : لإنهاء مشكلة .

والصمت : لعبور مشكلة .

* في مقام الصمت وحاله *

يقول الشيخ الأكبر ابن عربي :

للصمت حال ومقام ..

فأما مقامه : فهو أنه لا يرى متكلماً إلا من خلق الكلام في عباده وهو الله تعالى خالق كل شيء ، فالعبد صامت بذاته متكلم بالعرض .

وأما حاله : فهو أن يرى أن الله تعالى وإن خلق الكلام فيه ، فالعبد هو المتكلم فيه كما هو المتحرك بخلق الحركة فيه ولا يصح أن يصمت مطلقاً أصلاً فإنه مأمور بذكر الله تعالى في أحوال مخصوصة أمر وجوب ، فهو مقام مقيد بصفة تنـزيه لأنه وصف سلبي ، وحكمه في ظاهر الإنسان وأما باطنه فلا يصح فيه صمت فإنه كله ناطق بتسبيح الله تعالى

فتلك هي أيسر العبادة كما قال حبيبي وسيدي محمد صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وسلم لأبي الدرداء رضي الله تعالى عنه ” ألا أدلك على أيسر العبادة وأهونها على البدن ؟ ” قال : بلى يارسول الله .. فقال : ” عليك بالصمت وحسن الخلق فإنك لن تعمل مثلهما ” رواه ابن ابي الدنيا والطبراني وأبو يعلى وسنده جيد .

فالمرء بأصغريه قلبه ولسانه

في صمته عبادة ” إنه يعلم الجهر وما يخفى ” .

واللسان في ذكره صلة وعبادة ” وذكر اسم ربه فصلى ” .

فاجعل عبادة لسانك تليق بحضرة وصالك ونجاتك وسبب لحلول رحمته عليك وحسبك وصية رسول الله تعالى لعقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه عندما قال له : يارسول الله ما النجاة ؟ قال : ” أمسك عليك لسانك , وليسعك بيتك , وابك على خطيئتك “
فما أرقها من رحمة ومفازة بدعوة من بُعث رحمة لنا عندما أوصانا في قوله :

” رحم الله عبداً تكلم فغنم , أو سكت فسلم “