بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وعلى سيدنا موسى عليه السلام كليم رب العالمين

الأصل في الإلقاء : النبذ والطرح ورمي الشيء .

علم الإلقاء علم جميل وبه إعجاز أظهر الله سبحانه على أنبيائه في آيات حفظناها عن ظهر قلب لحبنا لها وتأثرها على حياتنا ولما فيها من سحر لجمال أحكام الكلمة . ولو أبحرنا في كلمة الإلقاء في بعض الآيات لرأيناها لم تأتي إلا في الفعل الثقيل الروحاني وكأنه يعطي سطوة للملقى عليه بإذن الله تعالى فيتجلاه بقوة ينحكم لها كل من شاهدها وتعامل معها .. لنتفكر قليلاً بأعظم الآيات التي وردت في القرآن الكريم ونتمعن قليلاً بتأثير الإلقاء في كل آية :    

1- بسم الله الرحمتن الرحيم : { إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } المزمل 5

{ إنّا سنلقي عليك } بتأييدك بروح القدس وإفاضة نوره عليك حتى يخرج ما فيك بالقوة إلى الفعل من المعاني والحِكَم .
{ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } إلقاء ثقيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن المراد من كونه ثقيلاً عظم قدره وجلالة، وكل شيء نفس وعظم خطره فهو ثقل وثقيل وثاقل، وهذا يعني كلاماً عظيماً . معنى قول ابن عباس في ما قاله
وأيضاً تفسير آخر المراد بثقيل، القرآن الكريم وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين عامة، وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، لأنه يتحملها بنفسه ويبلغها إلى أمته، وحاصله أن ثقله راجع إلى ثقل العمل به، فإنه لا معنى للتكليف إلا إلزام ما في فعله كلفة ومشقة وكان الإلقاء هنا أكثر ملائمة للفعل الثقيل فألقى جبريل عليه السلام القرآن الكريم في صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم واثبته بعد الإلقاء، وهنا نلاحظ عناية الله تعالى التي أحاطها لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهيئه لهذا الإلقاء فلم يقذفه ولم يجعله بل إلقاه برحمته الشاملة .

2- بسم الله الرحمن الرحيم : { قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى{19} فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى{20} قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى{21} طه

{ قال أَلقِها يا موسى } أي : خلها عن ضبط العقل { فألقاها } أي : خلاها وشأنها مرسلة بعد احتظائها من أنوار تجليات صفات القهر الإلهي { فإذا هي حيّة تسعى } أي : ثعبان يتحرّك من شدّة الغضب، وكانت نفسه عليه السلام قوية الغضب، شديدة الحدّة، فلما بلغ مقام تجليات الصفات كان من ضرورة الإستعداد حظه من التجلي القهري أوفر فبدل غضبه عند فنائه في الصفات بالغضب الإلهي والقهر الرباني فصور ثعباناً يتلقف ما يجد, الإلقاء هنا كان إلقاء أيضاً روحاني رغم بان لنا أنه ظاهرمجسد حيث تحولت الخلية النباتية إلى الخلية الحيوانية ورجوعها إلى صورتها الأولى فكانت تحت تأثير قوة الإلقاء

الروحي. { قال خذها } أي: اضبطها بعقلك كما كانت { ولا تخف } من استيلائها عليك وظهورها فيكون ذنب حالك بالتلوين، فإن غضبك قد فنى، فيكون متحرّكاً بأمري وليس هو مستوراً بنور القلب في مقام النفس حتى يظهر بعد خفائه { سنعيدها سيرتها الأولى } أي : ميتة، فانية، صائرة إلى رتبة القوّة النباتية التي لا شعور لها ولا داعي، فهذا إعجاز آخر استخدم به

الإلقاء رب حكيم عليم . حكمة تستحق التفكر بها والتوقف عندها .
3- بسم الله الرحمن الرحيم : { .. وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } طه 39

آية بمنتهى الجمال للحب لمجرد قرآئتها ملئت القلب حباً صافياً لا شية فيها لتتغلغل بذات المحبوب لترى جمال ما تحب فتلقى نفسك تحبه، وهنا حب مخصوص لأهل الخاصة خصه الله تعالى للأنبياء والرسل والأولياء، وهنا جائت كلمة الإلقاء لتطرح كل ما لا يسبب الحب وهنا كان الإعجاز الإلهي بهذا الإلقاء للحب أن موسى عليه السلام كان أسمر البشرة ذو شعر أجعد ومع ذلك أحبه فرعون الذي هو عدو له فربى فرعون عدوة على عين الله تعالى .

4- بسم الله الرحمن الرحيم : { قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى {65} قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى {66} طه

وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى {69} فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى {70} طه

شجعناه وأيّدناه، بروح القدس { وألق ما في يمينك } أي : ما في ضبط عقلك من النفس المؤتلفة بشعاع القدس المضيئة بنور الحق { تلقف ما صنعوا } ما زخرفوا وزوّروا من الشبهات والتمويهات الباطلة والأباطيل المزخرفة بالحجج النيرة والبراهين الواضحة { إنما صنعوا } وتلقفوا { كيد ساحر } أي : تمويه وتزوير { فألقي السحرة سجداً } منصفين مذعنين مقرين بكونه على الحق لما عرفوا من صدق البينة وظهور المعجزة وقيام الحجة وجلية البرهان { قالوا آمنا } الإيمان اليقيني لأنهم كوشفوا بالحق فعرفوا ربوبيته للكل ولو لاحظتم أن كل الفريقين القى فريق الحق المؤيد بروح القدس وأنوار الحق المؤيده لولايته وكان له الحكم والغلبة والإلقاء الآخر عاجز ولم يتجاوز خيالاتهم التي رسمتها عقولهم الضعيفة لم تستطع إلا أن تُنسف

أمام إلقاء الحق .

5- بسم الله الرحمن الرحيم : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ } القصص 7

{ وأوحينا إلى أمّ موسى } أي : النفس الساذجة السليمة الباقية على فطرتها وهي اللوّامة { أن أرضعيه } بلبان الإدراكات الجزئية والعلوم النافعة الأولية { فإذا خفت عليه } من استيلاء النفس الأمّارة وأعوانها { فألقيه } في يمّ الطبيعة البدنية بالإخفاء { ولا تخافي } من هلاكه { ولا تحزني } من فراقه { إنّا رادّوه إليك } بعد ظهور التمييز ونور الرشد { وجاعلوه من المرسلين } إلى بني إسرائيل . فأم موسى ألقت رضيعها في اليم وكانت مدركة أنها ملقية إياه في بحر الرعاية الإلهية مؤيداً

بأنوار القدس الرحمانية .
6- بسم الله الرحمن الرحيم : { قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ {87} طه

{ قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي {96} طه
سر السامري في الإلقاء : ابتلاهم الله تعالى بالسامري ليتميز المستعدّ القابل للكمال بالتجريد من القاصر الإستعداد المنغمس في الموادّ الذي لا يدرك إلا المحسوس ولا يتنبّه للمجرد المعقول . ولهذا قالوا: { ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي : بأن ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا، فإنهم عبيد بالطبع لا رأي لهم ولا ملكة وليسوا مختارين بل مطبوعون مسوسون مقودون بدنيون لا طريق لهم إلا التقليد والعمل، لا التحقيق والعلم . وإنما استعبدهم بالطلسم المفرع من الحلي لرسوخ محبة الذهب في طباعهم لكون نفوسهم سفلية منجذبة إلى الطبيعة الذهبية، وتجلي تلك الصورة النوعية فيها للتناسب الطبيعي وكان ذلك من باب مزج القوى السماوية بالقوى الأرضية ولذلك قال : { بصرت بما لم يبصروا به } من العلم الطبيعي والرياضي اللذين يبتنى عليهما علم الطلسمات والسيميات .. والسامري قبض قبضة من أثر الرسول وهو الحيزوم دابة الحياة وألقاها على ذلك العجل الذي هي طباع أنفسهم وعرف حبهم وشهوتهم للذهب فجمع طبائعهم وشهواتهم وألقى عليهما سر الإلقاء وهي الأثر الروحي السماوي القدسي لتكتمل معادلته وينجح في الإلقاء ليكون فاعل .