أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على سيدنا محمّد مِيمِكَ الجامع ولامِك اللامع وَصولنا إلى توحيدك القيّام صلاة حيّة دائمة لا تنام وآله وصحبه وأحبابه الكرام

 للقارئ مطلق الحرية في أن يظن أن هذه القصة خيالية أو حقيقية …

اللواش كائنات من خارج المجرة الواحد منهم اسمه لاش , وهي كائنات لا تُبصر ولا تَسمع ولا تلمِس ففي عالمهم كل هذه الحواس مفقودة واعتادوا على تدبّر أمورهم من دونها بحسِهم الباطن , ولكنهم ما أن وصلوا بارتقائهم إلى مدار الأرض واكتشفوا أن الكائنات عليها تُبصر وتَسمع وتلمِس حتى ثارت حماستهُم !!! فكم ستكون قدرتهم على اكتشاف المجرة أكبر مع ثلاثة حواس إضافية , البصر والسمع واللمس , هم الذين استطاعوا أن يجوبوا المسافات الهائلة بحِسّ واحد فقط .

ولكن كانت المشكلة في كيفية الحصول على هذه الحواس ولهذا اجتمع مجلس قيادة اللواش لمناقشة الموضوع , وسأورد لكم ترجمة ما تواصلوا به بحِسهم الباطن :

 سيد اللواش : يجب أن نجد طريقة للحصول على هذه الحواس الهائلة .

وزير اللواش : نعم سيدي , فكم من الجميل أن أسمع كلامك سمعاً .

توجه وزير اللواش بحسه الباطن إلى بنت سيد اللواش التي كانت تضحك من الخجل , فهي لم تتخيل قط إمكانية أن ترى حبيبها الوزير بحاسة اسمها العين .

سيد اللواش مازحاً : أتساءل كيف كان ليكون ملمس يدا أمك يا ابنتي .

قاضي اللواش : كل هذه الاستعمالات التي تتكلمون عنها مناسبة جداً للحواس التي وجدنا عليها سكان الأرض , ولكن المشكلة هي في ما وراء ذلك !

الجميع باستغراب : وراء ذلك ؟

قاضي اللواش : نعم , فأبصار البشر محدودة لا يكادون يرون مئات الأمتار أمامهم , و أسماعهم مقيدة فما هي إلا بضعة أمتار حتى يتخامد الصوت ولا يصل , أما اللمس فهو فقط في مجال متناول اللامِس , فكيف تتوقعون فتح مجرات بهذه الحواس المقيدة ؟

نظر سيد اللواش ( بحِسه الباطن ) إلى الوزير وهو ينتظر منه جواباً.

قال وزير اللواش بحِسه الباطن : إن ما قاله القاضي صحيح مئة بالمئة سيدي الرئيس , لهذا فنحن لن نقوم بتقليد هذه الحواس وإنما قمنا بدراسة مبدأ عملها وسنطورها بحيث تكون مُطلَقة عن القيد .

قاضي اللواش : وكيف ذلك ؟

وزير اللواش : لقد اجتمعت مع كبار مهندسيّ اللواش وأجمَعوا أن الحسّ الباطن اللذي نتمتع به يمكن أن يفيدنا كثيراً في رفع قدرات هذه الحواس .

قاضي اللواش : كلام جميل , فهل لنا مزيداً من التفصيل .

وزير اللواش : بكل تأكيد , سنقوم بربط حسنا الباطن مع جهاز إلكتروني ميغاسنس ونقوم بإضافة عين وأذن وجلد لكل واحد فينا يقوم بإرسال الإشارات الملتقطة إلى الميغاسنس والذي يترجمها إلى لغة حسنا الباطن .

قاضي اللواش : أيوا , هكذا يستطيع كل واحد منا أن يرى كل ما يراه الآخرون .

وزير اللواش : وبمشهد واحدّ .

بنت سيد اللواش : يعني إذا توجهت بالعين المركبة عليّ إلى من أحب فستنتقل الصورة إلى الميغاسنس أولاً …

وزير اللواش : حيث تجتمع كل الصور المشاهدة من قِبل كل اللواش فيُشكل صورة إجمالية …

قاضي اللواش : ثم يقوم الميغاسنس من جديد بإرسال هذه الصورة إلى الحسّ الباطن لكل واحد مننا .

حزنت بنت سيد اللواش , لأنها لن تستطيع أن ترى حبيبها الوزير على انفراد .

الوزير وقد فهم عليها : وكذلك الأمر بالنسبة لكل الحواس الأخرى , وحفاظاً على بعض الخصوصيات يمكن حجز مساحات تواصل خاصة في الميغاسنس لا يطلع عليها إلا من هو مشترك بها .

سيد اللواش : أعجبتني هذه الفكرة , هكذا نستطيع أن نغزوا الكون طالما أن كل واحد منا يرى مايراه الآخرون ويسمع ما يسمعه الآخرون ويلمس ما يلمسه الآخرون .

 وهكذا ازدهرت حضارة اللواش وغزوا الكون , وبعد 3000 عام أرضي حدث ما يلي :

 آلاف اللواش مجتمعون أمام شركة ميغاسنس وأصواتهم مرتفعة احتجاجاً , وقد رفعت لافتات مكتوب عليها …

 نريد استراداد أموالنا

لا لانتهاك الخصوصية

بَصري وأنا حر فيه

لا يحق لأحد أن يسمع ما أسمعه

أريد أن أحسّ بما يلمسه الملك !!

 قائد الشرطة لدائرة شرطة مكافحة الشغب : ضعنا في غرفة الخصوصيّة العالية , لا أريد أن ينتهي الأمر بالمتظاهرين وقد سمعوا قراراتنا ورأوها ولمسوها .

نظر قائد الشرطة عبر شباك الطابق 1005 إلى منظّم المتظاهرين في الأسفل عبر الصورة التي تبثها العين المثبّتة على مساعدة منظم المتظاهرين , واستمتع برؤية تعابير الغيظ والانزعاج على وجهه .

قالت مساعدة منظّم المتظاهرين لمنظّم المتظاهرين : لقد تعدّوا للتو على غرفة خصوصيتنا ونظر إليك قائد الشرطة من عيني.

منظم المتظاهرين : وماذا حصل بعد ذلك ؟

المساعدة : فصلونا عن التحكم بغرفتنا ودخلوا غرفتهم الخاصة.

منظم المتظاهرين : أي أنهم مطّلعون على ما نفعل ونحن لا نستطيع أن نطّلع عليهم .

بكل الغيظ والإنزعاج قالت المساعدة : نعم .

أشار منظم المتظاهرين إلى المتظاهرين فسكتوا ليستمعوا إلى ما يقوله وقال :

أعلم ان كل ما أقوله وكل ما تسمعونه وكل ما ترونه ….

وفجأة , تعالت من هنا أصوات الضحك , ومن هناك انطلق بعض اللواش مذعوريين وكأنهم رأو وحشاً وهناك سقط على الأرض بعضهم يتلوى ألماً ….

دهش الجميع لما يجري , لماذا هذا التباين والاختلاف في ردات فعل اللواش على نفس المشهد …!!!

وما هي إلا ثوانٍ حتى فهم منظم التظاهرات بأن قيادة الشرطة تلاعبت بالميغاسنس , فأرسلت صوراً مخيفة للبعض فرأوها وكأنها حقيقية , و أرسلت نكتاً مضحكة إلى البعض الآخر وبصوت منظم التظاهرات فضحكوا , و وجّهت ألماً حسياً إلى البعض الآخر فتلوى على الأرض كل هذا من الميغاسنس ولا شي حقيقي على أرض الواقع …

 خلع منظم التظاهرات فوراً عينه و أذنه و جلده , وتوجه بحسه الباطن إلى اللواش يناديهم أن افعلوا كما فعلت , ولكن كيف سيستطيع أن يميز اللواش هذه الإشارة الباطنة بعد أن قضوا أعواماً يلتقطون حسهم من الميغاسنس , كيف سيميزون ما يبثّه لهم منظم التظاهرات مما يبثه لهم الميغاسنس !!!

لم يفقد الأمل واستمر منظم التظاهرات بتوجهه , وهو على دراية أن كل من يتواصل معه من اللواش إذا فعل مثل ما فعل فستقوى رسالتهم الباطنة وتصل إلى عدد أكبر وتكون ذات مؤثرية عليهم …

اسمتر بارسال الرسالة : اخلعوا أبصاركم … اخلعوا أسماعكم , أخلعوا حسكم تتحرروا .

قائد الشرطة : ماذا يفعل هذا المجنون .

مهندس الميغاسنس : لا أعلم فقد فقدت كل الإشارات من عنده .

قائد الشرطة : كيف فعل هذا , وكيف تجرأ على خلع حواسه .

مهندس الميغاسنس : يا إلهي … انظر يا سيدي إلى الشاشة المزيد من اللواش يخلعون حواسهم .

قائد الشرطة : مستحيل , لقد عطلنا حسهم الباطن من التواصل باطنياً لمدة 3000 عام , من المفروض حسب قانون التطور أن يكون قد ضمر وزال .

مهندس الميغاسنس : أوه , لا , إنني أفقد آلاف الإشارات.

 في هذه الأثناء كانت عين منظم التظاهرات الباطنة تدمع لفرحته باستعادته حسه الباطن و استجابة اللواش كلهم لندائه بخلع حواسهم والعودة إلى ما كانوا مفطورين عليه , وأمر الجميع بالتوجه إلى الحس الباطن لقائد الشرطة وتوجيه رسالة واحدة :

ما ذا سينفعك الآن الميغاسنس ؟ لقد انتهيت .

قائد الشرطة : ما هذا إنني أشعر بألم شديد في رأسي , اقطع عنهم إتصال الميغاسنس فوراً , آآآآآه رأسي …

مهندس الميغاسنس : لا أستطيع , رأسي يؤلمني , آه لا , سأخلع عيناي و أذناي وجلدي حتى أرتاح ….

وما هي إلا ثوانٍ حتى خلع مهندس الميغاسنس حسه , وفوراً !!!!!

رأى نفسه في مكان جميل وبديع وكل المتظاهرين مجتمعين فيه بسلام وسعادة , توجه إليه شاب وسيم وقال … أنا منظم المتظاهرين أهلا بك .

مهندس الميغاسنس : أين أنا ؟

منظم المتظاهرين : أنت فيك !!

مهندس الميغاسنس : أنا فيني !!

منظم المتظاهرين : نعم أنت في باطنك .

مهندس الميغاسنس : كم هو جميل باطني , وأنتم ماذا تفعلون في فيني ؟

منظم المتظاهرين : نحن أنت وأنت نحن … نحنُك وأنتَنا .

مهندس الميغاسنس : ولكنني كنت أعتقد أن باطني قد زال وضمر .

منظم المتظاهرين : هذا ما بثوه لك عبر الميغاسنس ليبرمجوك كما يريدون فتفعل ما يطلبوه منك .

مهندس الميغاسنس : من تقصد ؟

منظم المتظاهرين : كل من أخضعتَ له ذاتَك ليحكُمك.

مهندس الميغاسنس : لا يحكمني إلا سيد اللواش بقانون الوزير.

منظم المتظاهرين : هذا ما بثوه لك عبر الميغاسنس كمعلومة , ولكن في الحقيقة لقد كنت خاضعاً لأوامر الغير .

مهندس الميغاسنس : الغير … !!!

منظم المتظاهرين : نعم , منذ 3000 آلاف عام استطاع الغير الدخول إلى حسنا الباطن وأوهمونا أننا سنكون أقوى إذا ما حصلنا على حواس بشرية , حتى أنهم أوهمونا بأننا نحن من اخترع الميغاسنس وفي الواقع هم من زرعوا هذا الوهم فينا .

مهندس الميغاسنس : ولكنكم قمتم أيضاً بأعمال شغب وتخريب وكدتم تهدمون ما بنيناه طيلة هذه الأعوام .

منظم المتظاهرين : لم يكن شيء من ذلك حقيقي .

مهندس الميغاسنس : ماذا !! كيف وأنا من كان يبرمج الميغاسنس .

منظم المتظاهرين : كل ما جرى كان برنامجاً تمت برمجة غرفتك الخاصة بك عليه , فلا نحن تظاهرنا ولا نحن قمنا ولا شيء .

مهندس الميغاسنس : كل شيء كان وهم …ولكنك كنت تحاول إثارة الفوضى فما مصلحة الغير من أن يضعني في هذا السيناريو الوهمي .

منظم المتظاهرين : لقد اضطررنا للدخول إلى الميغاسنس وضخ سيناريو التظاهر لكي تستيقظ بعد أن باءت كل محاولاتنا بندائك باطنياً بالفشل خلال المئة عام الماضية أنت آخر اللواش الخاضعين للميغاسنس .

مهندس الميغاسنس : يعني حتى ألم رأسي كان وهماً ؟

منظم المتظاهرين : نعم كان وهماً ولم يكن يؤلمك لأننا ما توجهنا إليك أبداً .

مهندس الميغاسنس : فكرة ذكية حتى أضطر لخلع حواسي .

منظم المتظاهرين : نعم , كان الغير الذي يحكمك يبث لك المعلومات مباشرة من الميغاسنس إلى حسك الباطن بما يريد هو فتظن أن ذلك هو ما يأتيك من حواسك المستعارة .

مهندس الميغاسنس : ففعلتم مثل ما فعل لإيقاظي ….

منظم المتظاهرين : بل الغير فعل ما نحن مفطورون على فعله لإغفالك عن حقيقتك.

مهندس الميغاسنس : يا إلهي لا أصدق أن يُفعل ذلك بي وأنا مهندس ….

ضحك الجميع , فاستغرب المهندس لما يضحكون ….

منظم المتظاهرين : حتى كونك مهندس ليس حقيقة وإنما معلومات بثت لك عن طريق الميغاسنس فرأيتها حقيقة .

سكت المهندس لثوانٍ من سطوة المفاجأة , فليس من السهل أن تكتشف أنك لست من كنت تظن أنك أنت، خاصة في وقت متأخر ….

مهندس الميغاسنس : ولكن كيف استطاعوا أن يبرمجوني هكذا وكيف لم أشعر بشيء طيلة هذه الأعوام .

منظم المتظاهرين : لأنك كنت تفعل ما يمليه عليك الحسّ فاستعبدتك نفسك بحسك وخضعت لها .

مهندس الميغاسنس : شيء لا يُصدق ولا يُعقل .

منظم المتظاهرين : ولكنه الحقيقة الخالصة , وما كنت تظنه حقيقة إنما هو زيف وباطل .

أطرق المهندس رأسه في الأرض قليلاً ثم رفعه ليسأل سؤاله الخطير قال : إذا لم يكن ما أراه فعلاً ما أرى , ولم يكن ما أسمعه فعلاً ما أسمع , ولا ما ألمس فعلاً ما ألمس , ولم أكن أنا من أعتقد أنني أنا , فما هي حقيقتي ؟

ابتسم الجميع وقالوا بصوت جامع واحد :

 أنت لاشيء يا لاش … أنت لا شيء .

 فاعتبر يا أخي المؤمن وكن مع الله تعالى لاش , فسمعك ليس لك وأنت محاسب عليه , وبصرك لا تملكه وأنت مسؤول عنه , ولمسك و كل أفعالك إنما هي إمداد من الحق لتعرفه لا لتنشغل عنه بها , فليس من الحكمة والعقل أن تستعبدك الأكوان بما أنعم الله عليك به ليحررك عنها !! وما شُغلت بها عنه إلا لخضوعك لأوامر نفسك السارية فيك بسرّية حتى لا تكاد تدرك أنها ليست منك ولست منها فانتبه إلى أوامر الغير فيك تفز من الشرك , اخلع بصرك قبل أن يخلعه الموت..ترى , واخلع سمعك قبل أن يخلعه الموت..تسمع , واخلع حسك قبل أن يخلعه الموت … هكذا تكون مطلقاً عن كل قيد حراً بالله تعالى حتى من أن تكون .