بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيدنا محمد النور البيّن , والحور النير , جمع الجمع الأجمع , الكامل المكمل الألمع , سيد ولد آدم وفخر العرب , الواصل الوصول الشفيع الرسول وآله وصحبه وسلم

 

القلب لا يفرغ ولكن يُغان عليه , وإنما القول بوجوب إفراغ القلب من الأغيار ( مما غير الله تعالى ) فالمقصود منه الافراغ الشهودي وليس المكاني , أي أن لا يشهد قلبك في عين نظرك لما كنت تعتبره غيراً غيراً فتشهد الحق تعالى في ما كنت تراه أغياراً ولست بهذا تنزع الأغيار من القلب ثم تضع فيه نور الله تعالى , فالله لا إله إلا هو ولا نور إلا نوره وما ثم في القلب إلا هو ولكن الغين الذي يغان عليه القلب هو في ما تراه في عين نظرك إلى هذا النور الشريف الذي يملؤ قلبك , والسبب في توهم الناس وجود الإفراغ القلبي هو النظر للتوحيد بنظر العقل , فالعقل لا يستوعب أن يكون الشيء أحداً في حقيقته كثيراً في صوره ولكن القلب يفقه ذلك , وضعف العقيدة فالقول بفراغ القلب من الأغيار إقرار بوجود حجم وجودي اسمه القلب لا يوجد فيه الله تعالى علواً كبيراً عن هذا الوصف وهو القائل في سورة الحديد (( وهو معكم أينما كنتم )) , ليس هذا فحسب وإنما يجعل الحق تعالى في انتظار حتى يفرغ القلب من الأغيار ويُدخله العبد بعمله الموهوم وهذا ينافي الاعتقاد الحديدي لأهل السنة والجماعة ولكافة العقائد التوحيدية الصحيحة , وقد درج في أيامنا هذه هذا القول وشبه بالكأس الذي لا تستطيع أن تملأه بماء جديد حتى تفرغه من محتواه القديم , ونسوا أن الكأس وإن أفرغته من الماء فإن الهواء يملؤه من جهة ومن أخرى فليس الحق شيئاً وما في القلب شيء آخر كما في حال الماء الجديد والمحتوى القديم في الكأس , وإنما كل ما يمر على الكأس في حياته من ماء وعصير وقهوة وشاي و …. و … و … إنما هو صورة من صور رقائق نور الحق تعالى ولا يقوم إلا به فما فرغ الكأس في الحقيقة من نوره , ولا يخفى عليك أُخَيّ أن القول بفراغ الكأس من محتوى لملئه بمحتوى آخر بقصد التوحيد إنما هو عين الإبتعاد عن التوحيد لإثباته كثرة ما يملؤ هذا الكأس , وإنما وصف مقام التخلية ( زوال الأغيار من القلب ) والتحلية ( امتلاء القلب بنور الحق ) من باب التعليم والتدريس وهو من الجائز فها نحن ندرس الأسماء الحسنى على تعددها 99 اسماً وهي في الحقيقة ذاتية واحدة لا تعدد في أحديتها , وأما القول بأن الله أغنى الأغنياء عن الشرك فليس المقصود منه أنك إذا أدخلت على الله تعالى في قلبك غيراً فإن الله تعالى يخرج من قلبك ويتركك مع الغير الذي تحبه , سبحان الله عن هذا الوصف , ففي عين اثبات غنى الله تعالى عن الشرك يثبت من يفهمون هذا القول كما وضحناه وجود غير يدخل على القلب فيخرج نور الحق تعالى فيخلو هذا القلب من الله تعالى وهذا كما أسلفنا ينافي العقيدة الصحيحة من حيث أن الله معنا أينما كنا , ولكن المقصود بالقول أن الله تعالى أغنى الأغنياء عن الشرك أي أنه إذا رأى العبد مشغولاً بالكثرة الحقانية عن وحدة الحق فإن غناه عن الشرك هو بعدم اشهاده لعبده أحديته في عين نظر العبد لها , فيراها العبد كثرة وهي في حقيقتها واحدة , وليس هذا الغنى إلا نتيجة اختيار العبد البقاء في مقامات الكثرة فكيف له أن يشهد واحدية وهو ينظر بعين الكثرة ؟ هذه حقيقة الغنى الحقاني عن الشرك .

وأما القول في الحديث الشريف القدسي ما وسعني لا سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن , فإن المقصود بالوسع شهود القلب لأحدية الباطن وفي الأحدية حقيقة كل شيء , فالسموات والأراضين والكون كله إنما هو صور لتجلي الأسماء الحسنى , وهناك من الأسماء ما لا نعرفها وإنما يعلمها الله تعالى لأحد من عباده أو يستأثر بها في علم الغيب عنده والعبد المؤمن حقاً إنما جمع في قلبه الجمع الأحدي الحقيقي لكل الأسماء فوسع الحق تعالى , أما القلب المشغول بالأغيار فقد تناول هذه الأحدية التي في قلبه على الحقيقة بعين التعدد فما وسع الكثرة لأن القلب آلة وحدة وتوحيد لا قالب كثرة وتكثير .

فأبشر أخي المؤمن ليس الحق تعالى ببعيد عن قلبك بل هو في كل مكان من حولك وفيك لا تبعده المسافة فيقرب ولا تنفره الأغيار فيبتعد وإنما هو الذي لا غير غيره , نسأل الله تعالى أن يزيل عن عيننا نقطة الغين فيجلو أبصارنا فليس أشد على العبد أن يعرف أن الله تعالى هو الظاهر ولا يراه .