57.4
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على مَن ملك القلوب و أنار الدروب الحبيب المصطفى عليه و على آل بيته و صحبه الأخيار أطيب الصلوات و التسليمات المباركة

على الرغم من أهمية الأحكام الشرعية و ضرورة معرفة مبادئها العامة الأساسية من قِبل كل فرد مسلم منا إلا أننا نجد الكثيرين من الناس في هذه الأيام يهملونها أو يخلطون بين بعض مفاهيمها ,

و لذا سأذكر بعون الله تعالى بعضاً من تعاريف المصطلحات الفقهية العامة و المعلومات الجميلة عن الأحكام عساها تحمل شيئاً من النفع و الفائدة بإذن الله وعملاً بقوله تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ .. } التوبة71 .

 تنقسم الأحكام الشرعية إلى نوعين : أحكام تكليفية و أحكام وضعية .

الحكم التكليفي : سمي تكليفياً لأنه يتضمن التكليف (المطالبة من المكلّف) بفعل أو ترك فعل أو تخيير بينهما .

أنواعه عند الأصوليين من الحنفية : الفرض – الواجب – المندوب (السنّة) – الحرام – المكروه تحريماً – المكروه تنزيهاً – المباح .

الحكم الوضعي : سمي وضعياً لأنه يقتضي وضع أمور ترتبط بالأخرى , كالأسباب للمسببات , و الشروط للمشروطات .

أنواعه عند الأصوليين من الحنفية : السبب – الركن و الشرط – المانع – الصحيح و الفاسد و الباطل – الأداء و القضاء والإعادة – العزيمة – الرخصة .

 و سأتابع تعريف بعض تلك الأنواع ( في الحكم الوضعي ) :

– الصحة و الفساد و البطلان :

الصحة : موافقة أمر الشرع .

و الصحيح : هو ما استوفى أركانه و شروطه الشرعية .

و صحة العبادة عند الفقهاء : وقوعها مسقط لطلب الشرع على وجه يسقط القضاء .

و صحة المعاملات : ترتيب آثارها الشرعية عليها , فالمراد من صحة العقد هو ترتيب أثره عليه و هو ما شرع له كالانتفاع في البيع و الاستمتاع في الزواج .

و العبادات باتفاق العلماء : إما صحيحة أو غير صحيحة , و غير الصحيح منها لافرق فيه بين الباطل و الفاسد , فالقسمة ثنائية (هذا في العبادات فقط أما في البيوع فهناك فرق بين الفاسد و الباطل) .

أما المعاملات المدنية : فلا فرق فيها أيضاً عند غير الحنفية بين الفاسد و الباطل , و عند الحنفية تكون القسمة ثلاثية , لأن العقد غير الصحيح إما باطل او فاسد .

وغير الصحيح : هو ما لم يستوف أركان و شروطه المطلوبة شرعاً .

والباطل عند الحنفية : هو الذي يشتمل على خلل في أصل العقد أي في أساسه , ركنأ كان أو غيره أي في صيغة العقد أو العاقدين أو المعقود عليه . و لا يترتب عليه أي أثر شرعي , كأن يصدر البيع من مجنون أو صبي غير مميز ( دون السابعة ) .

و الفاسد عند الحنفية : هو ما كان الخلل فيه في وصف من أوصاف العقد , بأن كان في شرط من شروطه , لا في مهيته أو ركنه . و يترتب عليه في المعاملات بعض الآثار , إذا توافر ركنه و عناصره الأساسية مثل البيع بثمن مجهول , أو المقترن بشرط فاسد كانتفاع البائع بالمبيع بعد البيع مدة معلومة و الزواج بغير شهود ، فيثبت الملك خبيثاً في البيع الفاسد إذا قبض المبيع , و يجب المهر و العدة بعد الفراق , ويثبت النسب بالدخول في الزواج الفاسد .

و به يظهر أن البطلان : هو مخالفة أمر الشرع المؤدية إلى عدم ترتيب الآثار الشرعية المقصودة عادة من العبادة أو المعاملة .

و هو في المعاملات : مخالفة التصرف لنظامه الشرعي في ناحية جوهرية ، و الناحية الجوهرية : هي الأساسية .

و الفساد : هو اختلال في العقد المخالف لنظامه الشرعي في ناحية فرعية متممة يجعله مستحقاً للفسخ ، و هو يجعل العقد في مرتبة متوسطة بين الصحة و البطلان , فلا هو بالباطل غير المنعقد لتوافر الناحية الجوهرية أو الأساسية المطلوبة شرعاً فيه , و لا هو بالصحيح التام الاعتبار لوجود خلل فيه في ناحية فرعية فقط غير جوهرية ،9 و أسباب الفساد أربعة هي : الجهالة , و الغرر ( الاحتمال ) , و الإكراه , و الشرط الممنوع المفسد .

– العزيمة و الرخصة   :

عرَّفهما البعض بما يلي :

العزيمة : ما شرع ابتداء من غير أن يكون متصلاً بعارض .

و الرخصة : ما ثبت شرعا على خلاف دليل شرعي آخر وذلك لمعارض راجح .

كأكل الميتة محرم ابتداء لقوله تعالى : { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ .. } فيكون عزيمة , لكن في حال الضرورة يكون رخصة لوجود العذر المتمثل في قوله تعالى ( في نهاية الآية السابقة ) :{.. فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

 ملاحظة هامة عن الحكم الوضعي :

قيل في أقسام الحكم الوضعي ما يلي :

الناظر في كتب الأصول يجد أن علماء الأصول اختلفوا اختلافا كبيرا في أقسام هذا الحكم وعددها .

فالإمام البزدوي والشيخ عبد العزيز البخاري سجلا أنها أربعة فقط، وهي: السبب والعلة والشرط والعلامة.

والشاطبي قد حصرها في الأسباب والشروط والموانع والصحة والبطلان والعزائم والرخص.

وابن قدامه يرى أن أنواعه هي: السبب والعلة والشرط والمانع والصحة والفساد والأداء والقضاء والإعادة .

و غير ذلك من الآراء المختلفة … و قد قسم الجمهور الحكم الوضعي باعتبار ذاته إلى خمسة أقسام: السببيّة والشرطيّة والمانعية والصحة والبطلان .

و لذا تحدثنا عن جميع تلك الأنواع أو الأقسام المشهورة من الحكم الوضعي للتعرف عليها و عموم الفائدة .. و الله ولي التوفيق ..

قال رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم : ” مَن يُرِد الله به خيراً يُفقهه في الدين ” * أخرجه البخاري و مسلم و أحمد .

اللهم علّمنا ديننا و فقّهنا فيه و اجعلنا ممن تحبهم و ترضى عنهم و آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين .