بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على سيدنا محمد سيد الأسياد وعبد رب العباد , خير من حرر العبيد من قيد الشرك و زينهم بحلية التوحيد وشرّفهم بشرف العبودية لله تعالى

طارت سفيرة , العصفورة في أرجاء الغابة تتنقل من شجرة إلى شجرة , تحط تارة على غصن سرو , وأخرى على غصن صنوبر , تداعب تارة أقحوانة وتارة تداعب شقيقة نعمان , تستظل مرة بعريشة لبلاب وتارة أخرى تتحادث مع فطر يختبئ من أشعة الشمس , وعندما تشعر بالتعب تذهب إلى الماء الصافي المتدفق من النبع لتستحم وتشرب وتهز ريشها , أما عندما تلتقي مع أصحابها من العصافير فالمتعة تتضاعف عندما يلعبون لعبة الملاحقة واللمس ويطيرون بين الأشجار والأغصان يزقزقون ويمرحون ويفرحون …. بكامل حرية العصافير.

في هذه الجنة , كان هناك بين أشجار البلوط عتمة تخشى العصافير الاقتراب منها وتتفاداها , إنها العتمة التي ابتلعت عصفر , ومن ذا الذي لا يعرف عصفر ! إنه أمير العصافير , الذي ملأ هذه الجنة بالمحبة والسعادة والفرح , وأراد أن ينشر فرحه وسعادته إلى ماوراء أشجار البلوط ولكنه ذهب في يوم ولم يعد , ولم يجرؤ أحد أن يبحث عنه ..

أين هو ؟ لا نعلم

من اختطفه ؟ لا نعلم

هل هو حي أم ميت ؟ لا نعلم

متى يعود ؟ لا نعلم

أين نجده ؟ لا نعلم

ما ذنبه ؟ عاش بسعادة و أراد لغيره أن يعيش بسعادة مثله , لقد فقدته العصافير ولم يبق لهم سوى الأمل ليُسَكِّن آلام ما حدث ومأساة عدم معرفة أي شيء عن عصفر .

ولكن سفيرة العصفورة التي ذاقت حرية العصافير لم تستطع أن تمنع نفسها من معرفة ما الذي جرى لعصفر , فانطلقت واخترقت أشجار البلوط .

كان المكان مخيفاً , أشواك و أشجار مريعة , وظلام وعتمة , ولم تكن هناك ألوان أبداً وإنما كل شيء بلون فضي بارد جامد , والشيء الملون الوحيد كان سفيرة العصفورة الصفراء . ظلت سفيرة العصفورة تطير وتطير وتبحث وتبحث حتى وصلت إلى قلعة مهجورة قد تهدمت أجزاء منها وأحاط الشوك محيطها , وامتد نحو الأعلى برج في آخره شرفة يلوح منها لون أزرق !!! , تعجبت سفيرة العصفورة كيف للون أزرق أن يأتي من بلاد ما وراء البلوط ؟ فطارت مرتفعة حتى وصلت الشرفة , وهناك جمدتها الدهشة لما رأت , لقد رأت عصفوراً أزرقاً متعباً مكتئب حتى أن زراقه أخذ يبهت شيئا فشيئاً وهو مسجون في قفص .

حطت العصفورة على حافة الشرفة وزقزقت منادية العصفور الأزرق :

زق زق زق … هل أنت عصفر ؟

استدار عصفر مندهشاً … وقال : نعم أنا عصفر , من أنت ومن أين أتيت ؟

سفيرة : أنا سفيرة العصفورة جئت من جنة العصافير لأحررك.

ابتسم عصفر ابتسامة ساخرة , وقال : نعم نعم , لقد سئمت ألاعيبكم , هيا إظهري على حقيقتك وقولي لي أي غول أرسلك لتتجسسي علي.

سفيرة : غول !! لم يرسلني أحد إليك , ولكنني سمعت بقصتك في جنة العصافير وأردت أن أكتشف ما حل بك وأعيدك إلى الجنة .

عصفر : نعم نعم , دائما السيناريو ذاته يتكرر , تارة ترسلون فراشة فتكون جاسوس , وتارة ترسلون وردة فتكون جاسوس , وتارة ترسلون نحلة فتكون جاسوس , لم أعد أثق حتى بالأغصان , كلكم جواسيس تريدون أن تسلبوني حريتي , وبعد حين تخلع الألبسة وتظهرون على حقيقتكم المقرفة , وحوش.

سفيرة : لقد تخيلنا كل شيء يمكن أن يكون قد حصل لك , ولكن على مايبدو أن خيالنا كان بأوحش الحالات خيالاً إنسانياً , فلم نتصور أبداً أن تكون بحالة من الشك وانعدام الثقة كالتي أنت فيها الآن.

عصفر : والآن ماذا ؟ ما المعلومات التي تريدين أن توصليها إلى معلمك ورئيسك ؟

أدركت سفيرة بفطرتها ما لم يستطع عصفر إدراكه نتيجة ما عاناه فقالت : لن أحاول إقناعك بأنني فعلا عصفورة حرة وقد جئت من جنة العصافير , لأنك ممتلئ بالشك والخوف , ولا إيمان معهما , ولكنني سأسألك سؤال واحداً أرجو أن تجيب عليه .

ودون أن تنتظر ردة فعله قالت :

لماذا يرسلون لك كل فترة عميل وجاسوس مع علمهم أنهم مكشوفون وأنك تعرف بذلك ؟

استغرب عصفر من السؤال ! بالفعل مادام استطاع معرفتهم فلماذا يرسلون له جواسيس ؟؟

قالت سفيرة : إنهم لا يريدون من عصفور مسجون أية معلومات.

فكر عصفر , إنهم بالفعل لا يسعون وراء المعلومات وإنما ….

شخصت عينا عصفر وانتفض من مكانه وهو يقول , إنهم يريدون أن يبرمجوني بأن أشك بكل شيء .

ابتسمت سفيرة ليس فقط لأن عصفر اكتشف الجواب , ولكن لأنه وللمرة الأولى منذ سنوات يزقزق بالجواب زقزقة وتظهر عليه علامات النشاط والحيوية .

وهنا تزعزع القفص وقال : لا تصدق هذه العميلة , إنها مرسلة من مكان غير معروف لتخرب لك حياتك .

عصفر : حياة , وأي حياة هذه التي أنا فيها , الموت أشرف منها.

القفص : أرأيت , إن إنكارك للنعم هو من أهم أعراض تسممك بأفكار هذه العميلة الدخيلة عليك .

هل تنكر بأنك في مأمن من النسور والصقور فلا يطالوك !

هل تنكر بأنك لا تحتاج لأن تبحث عن طعامك فها هو في العلبة ينتظرك!

هل تنكر بأنك لا تحتاج لأن تسعى وراء شرابك فها هو في الأنبوبة !

هل تنكر بأنك لا تحتاج للتنقل كي ترى مشاهد جميلة , فها هي الشرفة بعلوها تريك كل ما تود رؤيته !

استفق واشعر بانتمائك لي , ولا ترد على مخططات الأعداء.

عصفر : عن أي نسور وصقور تتحدث , لم يبق في قلعتكم هذه إلا الجرذان والفئران , وأي طعام وشراب هذا الذي تتكلم عنه , لقد اختلط بالقذارة والعفن حتى صار علقماً , أما المشاهد التي تتكلم عنها فلست أرى سوى الدمار , أنا عصفور خلقني الله تعالى لأبحث عن طعامي وشرابي وأحيا بين الأغصان والأشجار , افتح لي الباب فإني أريد المغادرة .

القفص هلعاً : ما هذه اللغة التي تتكلم بها , إنها لغة الأعداء , والتعصب والتخلف والرجعية , إذا خرجت مني فسوف تموت في متاهات الغابة وستأكلك الوحوش.

عصفر : لأن أموت حراً خيراً من أن أحيا مقيداً , لم يخلقني الله تعالى لكي أعيش في الدنيا بلا موت , ولكنه خلقني كي أحيا بلا قيد.

القفص :لقد علمت منذ رأيتك أنك لا تنتمي إلى هذا الوطن ,

عصفر : نعم أنا لا أنتمي إلى وطن القيد والخوف , ولكن كيف عرفت ذلك ؟

القفص وهو يتضعضع وتنهار قضبانه : جميع من سبقك فقد لونه أما أنت فحافظت عليه.

تحطم القفص وطار عصفر و سفيرة , وما إن حلقا في السماء حتى بدأت القلعة بالانهيار إلى حجارة على شكل عصافير , ما إن يسقط الحجر حتى تدب فيه الألوان والحياة ويعود عصفوراً ويطير بحرية.

سفيرة : لقد بنيت القلعة من العصافير المقيدة.

عصفر : نعم لقد كان القفص وهماً , وبلاد ما وراء أشجار البلوط لم تقم إلا على خوفنا وشكنا.

وطارت العصافير وعادت إلى بلادها سعيدة مسعودة.

وفي يوم من الأيام سألت سفيرة عصفر , وهما أمام النبع يستريحان من ساعات الطيران والتحليق الطويلة قالت : عصفر أود أن أسألك سؤال حيرني منذ عدنا , لماذا كان يتمسك القفص بك بشدة وكأنك ابن من أبنائه ؟

عصفر ضاحكاً وفرحاً , لأن الجواب الفطروي قد عاد إليه بعد أن زالت عنه غشاوة التشكيك والفتنة , قال :

لأن الأقفاص البالية ترمى في الحاوية عندما تتحرر العصافير .