أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على سيد العارفين وإمام المفكرين نور المضيئين وحبيب الحب وآله وصحبه أجمعين

 

وصل إلى المكان أخيراً، بعد مشوار مضنٍ من التنقل والسؤال والبحث، وصل إلى البيت، ولم يصدق أن الاسم الذي كان يبحث عنه طيلة هذه الأيام مكتوب على جرس الباب، توقف لوهلة وكأنه خائف من أن يدق الجرس، ربما يكون هذا الاسم الذي على جرس الباب هو آخر ما تبقى من سكان البيت، أو ربما يخرج أحد الأحفاد وينعي لي خبر وفاته، فالسيد فكران ليس بالصغير … استجمع قواه وقرر أن يتابع طريقه الذي بدأه من ثمانية أعوام في بحثه ويحصل على الأجوبة من الخبير الأخير على سطح الأرض في مجاله .

طن طن ….

فتح الباب طفل صغير في العمر ووقف خجلاً !!!

صباح الخير عمو كيفك ؟

ابتسم الطفل بحركات الخجل بادية على رجليه

طيب شو اسمك ؟

أجاب الطفل أنا عاقل … وحباب

سرعان ما أدركت الطفل إمرأة في الأربعينات من العمر قبل أن يفشي أسرار البيت …

المرأة : أهلا مين معي ؟

عفواً أبحث عن الأستاذ فكران هل هو موجود ؟

المرأة : أيوا قصدك جدو !!! نعم من أقول له ؟

طالب علم يبحث عن جواب لن يجيبني عليه إلا هو .

غابت المرأة لدقائق ثم جاءت وقالت له تفضل إلى المكتب مشيرة إلى غرفة في آخر الممر .

سار في الممر الضيق إلى آخره وطرق الباب وقلبه يخفق، جاءه صوت من الداخل : تفضل .

فتح الباب وتقدم وكأن الزمن تباطئ مئة مرة فصار يرى أجزاء الغرفة وهي تظهر بالتدريج، المكتب وهو يظهر بالتدريج … والسيد فكران وهو … لا هذا الأخير لم يظهر بالتدريج لأنه كان صغير الحجم .

لقد تفاجأ الطالب مفاجأة ما بعدها من مفاجأة، وعندما كان يتقدم ليحيي السيد فكران كانت الخواطر تتابع في ذهنه …

ما هذا المكتب الخال من كل شيء

أين كتب هذا المفكر العظيم ؟

لا يوجد ولا مكتبة ولا كتاب ؟

حتى المكتب عبارة عن طاولة صغيرة

كانت الغرفة حرفياً عبارة عن أربعة حيطان وسقف وأرضية طاولة صغيرة ( تربيزة ) مخدة يجلس عليها فكران ومخدة للضيف على طرفي التربيزة بشكل متقابل مصباح متدلي من السقف وقاطع كهربائي على الحائط لا يوجد فيه حتى مأخذ لأي أداة كهربائية , وشباك خلف السيد فكران .

ما إن انتهت هذه الأفكار والملاحظات حتى وصل الطالب إلى السيد فكران فقال من باب الأدب :

صباح الخير سيد فكران

فكران ببشاشة وسرور : أهلاً وسهلاً بالطالب، أهلاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم .

الطالب : مسروراً جداً لأنني وجدت سيد فكران .

فكران : يمكن أنك اعتقدت بأنني توفيت من زمن بعيد .

احمر وجه الطالب من الحرج .

فكران : لا بأس، أنا نفسي مستغرب كيف أنني عشت حتى 150 عام .

حمد الطالب الله تعالى في نفسه لرؤيته ولو علامة تشير إلى سلامة القوى الفكرية عن السيد فكران .

فكران : أو 170 لم أعد أذكر , على كل 20 عام مو بيناتنا لن نختلف عليها …. ههه .

الطالب في نفسه وهو يبتسم ابتسامة مجاملة : وكمان خفيف الظل وروح نكته .

فكران : أرجو أن تستريح وتتفضل بالجلوس على هذه المخدة .

الطالب في نفسه : لا بد أنك تمزح، على هذه المخدة بالذات، طيب لماذا لا تسمح لي بالجلوس على ذلك الكرسي أو تلك الأريكة … تحولت إبتسامة المجاملة إلى شيء من السخرية .

فكران : تفضل تفضل، إذا لم تكن المخدة مريحة أجلب لك مخدة أخرى .

الطالب : لا شكراً إنها مناسبة تماماً .

فكران : مناسبة !!!! ممتاز أنها على المقاس تماماً …. ههههه .

الطالب : في الواقع أنا هنا اليوم لـ ….

فكران : لقد أجبتك مسبقاً .

الطالب باندهاش : عفواً ماذا قلت ؟

فكران بتأكيد ونبرة ثقة : لقد أجبتك على أسئلتك كلها مسبقاً .

الطالب : لا .. لا … لا بد أن هناك سوء فهم .

فكران : إذا كنت تتوقع مني سوء الفهم، فكيف قطعت كل هذه المسافة لتثق بجوابي لك عن الفكر .

لقد صعقت هذه الكلمة الأخيرة الطالب فهي تماماً ما جاء ليسال عنه، وأهانته ابتسامة المكر الطيب التي على وجه هذا العجوز, وشككه سؤال العجوز في قدراته العقلية والتحليلية .

جاء الشاي … الحمد لله جاء الشاي ليمنح هدنة للأطراف ويسمح للطالب بأن يستجمع قواه ويتذكر كل ما كان يريد أن يسأل عن الفروق بين الفكر العقلي والفكر الروحي …

دخل ولد بالخامسة عشرة وهو يحمل صينية عليها كأسين من الشاي مزخرفين زخرفة جميلة جداً, وعبوة نحاسية منقوشة بنقوش شامية جميلة فيها السكر، وملعقة الشاي كأنها عرف ياسمين .

فكران : شكراً يا روحي ضع هذا الكأس هنا وهذا الكأس هنا .

قال فكران للطالب : هذا سمعان الحفيد الثالث لابني الثاني .

تعجب الطالب لدقة فكران وذاكرته، الأمر الذي لا نراه عند رواد العقول حتى بأبناء أقل وأحفاد أقل !!!

فكران : استأذنك فيجب أن أذهب إلى مصلاي، يمكنك الإستمتاع بشرب كأس الشاي والذهاب وقتما تشاء .

الطالب في نفسه : ما قلة الذوق هذه، ولماذا يقلل من احترامي السيد فكران على الأقل يقيم واجب الضيافة … فلأشرب كأس الشاي على الأقل وأذهب بعدها .

تناول الطالب كأس الشاي وقربه من أنفه وشم عبيره وارتشف الرشفة الأولى، قام وتوجه إلى الشباك، وكان البيت في الطابق الأخير من بناية على رأس الجبل فشاهد المدينة بشوارعها وأبنيتها وحدائقها، رشف الرشفة الثانية ونظر إلى المدينة فرأى في الأبنية شبابيك منها مفتوح ومنها مغلق، ورأى الشرفات منها عليها غسيل منشور ومنها فيها نساء يتحدثن ومنها ما فيها من يدلي سلة إلى الأسفل عند بائع الخضار ليضع فيها مستلزمات الغداء … عجيب المشهد من هنا لا بد أن السيد فكران يتسلى جيداً بمراقبته هذه التفاصيل من هذا العلو .

كاد كأس الشاي ينفذ، فقرر الطالب أن يتناول الرشفة الأخيرة وهو يتجول في الغرفة، عجيبة هذه الفكرة من أين أتته وكيف يتقبلها الآن وقد كان من قبل ليرفضها، ارتشف الرشفة الأخيرة وأعاد الكأس مكانه تماماً فلاحظ على الحائط آثار تدل على مكتبة كانت موجودة وعلامات على لون الحائط بشكل الكتب التي كانت في المكتبة , ابتسم الطالب وفهم لماذا قال له فكران لقد أجبتك فتوجه إلى الباب وطرقه وطلب الإذن بالمغادرة، فتوجه إليه سمعان وأعطاه مغلفاً وقال له .

سمعان : يسلم عليك جدي ويقول لك لا تفتحه حتى تصل إلى بيتك .

خرج الطالب، وتوجه إلى الحافلة العائدة إلى مدينته واستسلم لوارد الأفكار لقد فهم الكثير من السيد فكران الذي اشتهر بمهارته في الفكر العقلي كما لم يشتهر أحد وهذا ما دل عليه آثار المكتبة والكتب ولكنه تحول بعد ذلك إلى الفكر الروحي, فالفكر العقلي مقيد تماماً كما كان الممر الذي مر فيه إلى الباب, أما الفكر الروحي فهو مطلق إجمالي تفصيلي بنظرة واحدة كما كان المشهد من الشباك، الفكر العقلي يعتمد على الكتب والمعلومات، أما الفكر الروحي فيعتمد على ذات المفكر لقد كانت مكتبة فكران غنية بالكتب ولكنها أصبحت أغنى به .

الفكر العقلي تجزيئي تبسيطي يعتمد على تجزيء المسألة إلى أفكار جزئية يسهل عليه تناولها ولهذا يستمر في تجزئة الأشياء حتى يصل إلى الجزء الذي لا يتجزأ فيعتبره منتهى الطريق كما حصل للعلماء والذرة حيث اعتبروا أن الذرة هي الوحدة المركبة للعالم وأن فهمها سيمكن من فهم الكون، أما إن لم يستطع تجزئتها إلى أجزاء فيقف عاجزاً عن فهمها كما عجز عن فهم لماذا أصر فكران على أن يجلس الطالب على المخدة الوحيدة، أما الفكر الروحي فهو شمولي ينظر إلى المسألة بحقيقتها دونما تجزيء .

الفكر العقلي اختزالي يحتاج إلى إلغاء بعض المكونات من الموضوع ليستطيع تحليلها وتناولها الأمر الذي يدفعه لإغفال تفاصيل و إهمال العلاقات بين الأجزاء، كما حصل معه حينما نظر إلى الغرفة على حالها الآن فرآها فارغة وغفل أن فراغها اليوم لا يعني فراغها دائماً، أما الفكر الروحي فهو إحاطي أي يحيط بالموضوع بكافة مكوناته المكانية والزمانية والعلاقات بينها .

الفكر العقلي مجهد متعب، ولهذا أجهد الطالب منذ أول دقائق واستنجد بالشاي، أما الفكر الروحي سلس انفتاحي, أحياناً يمكن أن يكون هناك شعور بالثقل وليس بالتعب، هذا الثقل هو كثافة ضغط الأنوار الفكرية الذي عندما يتفتح لاحقاً يعطي علوماً وتفاصيل كما حصل عندما قال له فكران : لقد أجبتك، فقد قصد أنه أودع فيه ملف الجواب وما هي إلا مسألة وقت ومواقف حتى تتفتح هذه الأجوبة وتظهر إلى السطح .

الفكر العقلي يخضع للنسيان، أما الفكر الروحي فيزداد قوة بتناوله .

الفكر العقلي شحيح في النتائج يتحرك حيث يُعقل فقط، أما الفكر الروحي فخصب وشديد الخصوبة أينما تحرك أثمر .

الفكر العقلي فيه توهم القدرة في التفكير، أما الفكر الروحي فيه حقيقة التسليم، فهذه المعلومات التي تتفتح للطالب في طريق عودته تتفتح عندما استسلم لا عندما توجه .

الفكر العقلي تعقيدي إذا أردت أن تكون مفكراً عقلياً فعليك أن تطالع الكتب وترى ما وصل إليه الآخرون وتحضر المؤتمرات والمنتديات الفكرية …. , أما الفكر الروحي بسيط يعتمد على التخلص من كل شيء كما تخلص فكران من كل العالم الخارجي ووضعه وراء ظهره .

الفكر العقلي صناعي أي يجب أن تصنع أنت المفردات من خلال جمع المعلومات، أما الفكر الروحي فهو جني لثمار يعطيها الله تعالى لك .

الفكر العقلي معلوماتي يقف عند المعلومة فقط، أما الفكر الروحي فسلوكي ذوقي أي فيه خبرة، فتنفعل له الذات كاملاً، كما حصل عندما قرر الطالب أن يتناول كأس الشاي ويتفرج على الشباك ويجول في الغرفة .

الفكر العقلي محله العقل فقط، أما الفكر الروحي فمحله الجسم كله، وكل الأعضاء تفكر فما تفهمه اليد في مسألة يختلف عما تفهمه العين .

الفكر العقلي يخطو خطوة خطوة ، أما الفكر الروحي فيقفز قفزات ويمكن أن تفكر في عدة مواضيع في الوقت نفسه .

نتائج الفكر العقلي محصورة حيث يخطو العقل خطوة بخطوة، أما الفكر الروحي فنتائجة متنوعة وتتنفح في الوقت نفسه .

الفكر العقلي فكر تكراري أي يعيد حلقات التفكير السابقة في موضوع سابق عند تناوله موضوع جديد إذا كان الموضوعين متشابهين، ولهذا يخطئ القادة والمدراء في نسخ حلول مشاكل شركات أو أمم ولصقها على شركاتهم أو أممهم، أما في الفكر الروحي فلا تكرار وكل موضوع له فردانيته حتى لو تشابه بمكوناته مع موضوع آخر إلا أن حلول هذا الموضوع تختلف عن حلول الموضوع السابق .

الفكر العقلي يعتمد في منهجه على الشك، أما الفكر الروحي فيعتمد على اليقين .

الفكر العقلي يقيده الزمان، الفكر الروحي يُخضع له الزمن بالتمدد والإنكماش .

غاص فكران في تفاصيل هذه الملفات الفكرية التي تفتحت، حتى أنه لم يشعر بانتهاء ساعات السفر الخمس، وما أن وصل إلى البيت حتى قام بإزالة مكتبته وصفّ الكتب التي كانت فيها في صناديق وأخرج مكتبه من الغرفة ووضع مخدتين … ولكنه سرعان ما تذكر رسالة فكران، فتوجه إلى محفظته وأخرجها، تناول الرسالة، فتحها، وقرأ ما في الورقة :

” لا تتخلص من كتبك فالفكر العقلي أداة من أدوات الروح “

تبسم الطالب وأدرك أهمية الفكر العقلي والفكر الروحي وأدرك حينها أنه لا يوجد فكر أفضل من فكر وإنما لا يجب أن يطغى فكر على فكر والمفكر الماهر هو الذي يستطيع أن يتوجه بالفكر الروحي حيث يتطلب الفكر الروحي ويتوجه بالفكر العقلي حيث يتطلب الفكر العقلي .

هكذا كان المنهج المحمّدي صلوات الله وسلامه على حبيبه وآله وصحابته، وهذا هو المنهج الكمالي الهانيبالي .

 أحصينا هنا 16 فرق بين الفكر العقلي والفكر الروحي وهي من الأذواق الخاصة التي منّها الله تعالى علينا في الطريقة الكمالية الهانيبالية، وليست هذه هي كل الفروق ولكن هذا ما سمح به وارد الوقت