بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلّ على حبيبي و جدّي محمد سيد العالمين و أكمل البشر و جامع كمالات النبوات و آله و صحبه و سلم تسليما مطلقا

 

لما أراد الله تعالى في إرادته الأزلية أن يظهر بأسمائه كلها في حضرة جامعة خلق آدم عليه السلام ليكون آدم أول عبد كامل فقد جاء في الحديث الشريف عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم ” خلق آدم على صورته ” أي : على (( صورة كماله )) ، فآدم عليه السلام جامع لجمع الأسماء الإلهية فإذا كان العالَم هو الجمع الأسمائي فإن الإنسان الكامل هو جمع الجمع.

يقول حبيبي عز و جل بعد بسم الله الرحمن الرحيم :

” وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ” البقرة 31

فالملائكة على علو مكانتها و ديمومة طاعتها لم تحظَ بكمال التجلي الأسمائي كما هو عليه في آدم عليه السلام لذا لم تعرف كل الأسماء التي علِمَها آدم لقبول (المحل) – و هو آدم عليه السلام- لكمال العلم الإلهي، فبظهور آدم عليه السلام ظهرت أفعال و عوالم و أسماء لم يعرفها العالم قبله!! منها ظهور اسم الله التواب و الغفار و العفو و …

 فقد جاء في الحديث عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه و على آله و صحبه و سلم:” لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشد من ذلك العجب العجب “…أي أن نعجب بطهرنا فننزل عن كمالنا فنفقد ظهور الأسماء الإلهية و التي كمُل بها العالم كاسمه التوّاب والغفّار والعفو…

و من هذه التجليات التي كَمُل بها العالم بظهور آدم عليه السلام فرح الله، فلم يظهر فرح الله تعالى لكائن قبل آدم حيث قال في الحديث المرفوع عن أبي هريرة : ” إن الله ليفرح بتوبة عبده كما يفرح أحدكم أن يجد ضالته بواد ، فخاف أن يقتله فيه العطش” ففرح الله بالتوبة لم يظهر قبل آدم !

و قوله في الحديث الذي أرويه بالسند المتصل: “أنين المذنبين أحب إلي من سَجَلِ المسبحين”… فأنين المذنبين فيه روح التسبيح و اللجوء و الرجاء و إفراح الله بالتوبة و إدانة النفس و تصغيرها أمام ربها ففيه حشد للظهورات الأسمائية…لذا كانت عوالم هذا الأنين أكمل من عوالم التسبيح رغم علو مكانتها.

لذا لم يستخلف الله الملائكة رغم أنها لا تعصي له أمرا و ذلك لنقصان نشأتهم عن نشأة آدم الكاملة ((لإتيانه بما لا يملكون))، و من هذا النقص في النشأة وصفوا ذرية آدم بسفك الدماء في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } البقرة30 ،فقول الله تعالى (إني أعلم ما لا تعلمون) هو إشارة إلى عدم قدرة الملائكة أن تدرك أبعاد الكمال المتجلي على آدم عليه السلام و قبوله لظهور أسماء إلهية لا يقبلها غيره، فكان هو الإنسان الكامل و حقت له الخلافة.

و في كمال آدم عليه السلام سر جميل هو من أسرار التخليق الآدمي، فقد جاء في الأثر أنه “خلق آدم بكلتي يديه في أربعين عام” و يدي الله تعالى هنا إشارة إلى الصفات المتقابلة و المتضادة، منها الجمال و الجلال و هما وجهي الكمال، و الظهور و البطون، و القبض و البسط …فهاتان الصفتان عُبّر عنهما بقوله (يديه) بمعنى : ( خلقه بكلتي يديه أي:وضع فيه المتناقضات و المتقابلات )، و جاء في الحديث:”و كلتا يدي ربي يمين” أي : خير.

أما الأربعين عام فهي إشارة لروح التمام، أي : ( أتمّ خلق آدم و وضع فيه وجهي الكمال و هما الجلال و الجمال ).

 

اللهم حققنا بحسن استخلافك لنا

و ارزقنا من فهوم و أنوار كمالك الأعظم

و الحمد لله رب العالمين