بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه في الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه إلى يوم يبعثون ليوم الدين

قال تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ {41} وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ {42} النور
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” قلت يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله تعالى قال : إن أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده ” أخرجه مسلم .
 في رواية سئل أي الكلام أفضل ؟ قال ما اصطفاه الله لملائكته سبحان الله وبحمده .
وقال الطيبي في الكلام على حديث أبي ذر : فيه تلميح بقوله – تعالى – حكاية عن الملائكة ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك )  .
فاعلم يا وليي في الله تعالى أن لكل له تسبيحه وصلاته فقد علم الله تعالى عبيده وأمرهم بتسبيحه وتنزيهه فلا يفتر أبداً عن ذكره وهذه الصلاة تكون مكنونات وقدرات هذا الكائن العابد ألهمه الله تعالى إياها ليدعوا الله تعالى بها ويناجيه , قال تعالى : { .. كُلٌّ قد عَلِمَ صلاتَه وتسبيحه .. {41} النور
أي : كل شيء قد عَلِمَ الله تعالى صَلاتَهُ، أي: دعاءه وخضوعه وتسبيحه . أو : كلٌّ قد علم في نفسه ما يصدر عنه من صَلاَةٍ وتسبيح ولا يستبعد أن يلهم الله تعالى الطيرَ دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة, التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها .
وفي الأحاديث الشريفة ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام والآل عن تسبيح الطعام والحصى :
( أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غالباً ) ووقع ذلك عند الإسماعيلي صريحاً أخرجه عن الحسن بن سفيان عن بندار عن أبي أحمد الزبيري في هذا الحديث ” كنا نأكل مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام”  وله شاهد .
وما أورده البيهقي في ” الدلائل ” من طريق قيس بن أبي حازم قال : ” كان أبو الدرداء وسليمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر قال له : بآية الصحفة ، وذلك أنهما بينا هما يأكلان في صحفة إذ سبحت وما فيها ” .

وذكر عياض عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : ” مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتاه سيدنا جبريل بطبق فيه عنب ورطب فأكل منه فسبح ” . وقد اشتهر تسبيح الحصى ، ففي حديث أبي ذر قال ” تناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينا ، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن ، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن ، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن ” أخرجه البزار والطبراني في ” الأوسط ” وفي رواية الطبراني ” فسمع تسبيحهن من في الحلقة ” وفيه ” ثم دفعهن إلينا فلم يسبحن ” مع أحد منا ” .

بسم الله الرحمن الرحيم : { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ {79} الأنبياء

قوله عز وجل ( وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْر ) أي : وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود إذا سبح ..

قال ابن عباس : كان يفهم تسبيح الحجر والشجر .

وقال وهب : كانت الجبال تجاوبه بالتسبيح وكذلك الطير .

وقال قتادة : يسبحن أي يصلين معه إذا صلى وقيل : كان داود إذا فتر يسمعه الله تعالى تسبيح الجبال والطير لينشط في التسبيح ويشتاق إليه . 
( وسخّرنا مع داود ) الفؤاد، جبال الأعضاء ( يسبحن ) بألسنة خواصها التي أمرن بها ويسرن معه بسيرتها المخصوصة بها فلا تعصي ولا تمتنع عليه، فتكلّ وتثقل وتأبى أمره، بل تسير معه مأمورة بأمره، منقادة مطواعة لتأدبها وارتياضها وتعوّدها بأمره، وتمرّنها في الطاعات والعبادات، وطير القوى الروحانية يسبحنّ بالأذكار والأفكار والطيران في فضاء أرواح الأنوار ( وكنا ) قادرين على ذلك التسخير ..( ابن عربي) .

ومن هنا نعلم أننا نحن البشر أيضاً لنا صلاتنا وتسبيحنا ولقد علمنا الله تعالى إياها ليتعرف كل شخص على نفسه ( من عرف نفسه عرف ربه ) .
وكما أن الصلاة ورد ذكرها بالقرآن الكريم والسنة الشريفة عن كيفية مناجاة الله تعالى بها أيضاً ورد تسبيح كل شخص ما يناسب بنيته وقدرته ووالوظيفة التي خُلق عليها ولأجلها .
ولنتعلم هذا التسبيح ومعرفته فقد وَجَبَ على الإنسان التعلم على يد الشيوخ من قوله تعالى : { … وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ {7} الرعد

ومما علمني شيخي العارف بالله تعالى فضيلة العلامة الدمشقي د.هانيبال يوسف حرب حفظه الله تعالى أن لكل إنسان سورة في القرآن الكريم تحمل بين آياتها كل تفاصيل هذا الإنسان ومن هذه التفاصيل التسبيح الذي بني عليه كيانه ليزداد تعبداً لله تعالى وتنزيهاً له لأن الله حكيم عليم بخلقه دراكاً لمكنونات كل شخص فأعطاه ما ناسبه تماماً .
فالأصل من الخلق الصلاة والتسبيح للخالق والخضوع له فانظر يا وليي في الله تعالى على ماذا أقامك الله تعالى لذكره وتسبيحه لتحظى بحبه والتحقق بالعبودية المثلى .

الحمد الله رب العالمين الذي هو ذكري وتسبيحي