بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد شعلة الباحثين عن الحق في ظلماء الوجود , هادي الناس إلى رب العالمين وآله وصحبه وسلم.

من السنة المشرفة الجلوس في المصلى للذكر بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس وترتفع فيُصَلى ركعتين أو أربعاً , ومن السنة المشرفة الجلوس بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس , وللمشايخ والأولياء في ذلك أحوال , فيلحق بالجلوس للذكر الجلوس لخير، من علم شرعي أو إرشاد أو صلح بين الناس ونحو ذلك كما كان عليه فقهاء التابعين.

فكان عطاء ومجاهد يقولان : المراد بذكر الله علم الحلال والحرام ، وقال مشايخ الصوفية : المراد بذكر الله تعالى أن يذكره بأسمائه الحسنى , وقد تبعهم على ذلك جمهور أهل الطريق كسيدي علي المرصفي والشيخ تاج الدين الذاكر وغيرهما , فكان سيدي علي المرصفي يجلس بعد صلاة العصر يرشد الناس في أمورهم بقراءة كتب القوم كرسالة القشيري وعوارف المعارف ونحوهما من مؤلفاته , وكان سيدي الشيخ تاج الدين يجلس بعد صلاة العصر في قراءة البخاري وتفسير ما أشكل من ألفاظه إلى الغروب , وكان سيدي محمد الشناوي يجلس بعد العصر يذكر الله تعالى إلى الغروب , وكذلك كان يذكر بعد الصبح بـلا إله إلا الله حتى تطلع الشمس , فإن كان مسافرا ذكر المجلس هو وأصحابه وهو راكب حمارته رحمه الله , وكان سيدي محمد بن عنان يشتغل بالأوراد سرا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس وينام بعد صلاة الوتر ثم يقوم يتهجد ويصلي الصبح , فلا يزال في قراءة حزب أحمد الزاهد سيدي أحمد الزاهد حتى تطلع الشمس , ثم يشتغل بأوراد أخر إلى ضحو النهار , وكان لا يلتفت لأحد كلمه في هذين الوقتين لإقباله على الله تعالى رضي الله تعالى عنه , وكان الشيخ نور الدين علي الشوني يصلي العصر ثم يشتغل بالصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الغروب ويجلس كذلك بعد الصبح ثم يختم مجلس الصلاة على النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمجلس ذكر .

فلكل شيخ حال بحسب ما أقامه الله فيه وبعضهم أقامه الله في المراقبة في هذين الوقتين من غير لفظ بذكر ولا بغيره , والسر في اشتغال العبد بالله تعالى في هذين الوقتين كون ذلك عقب تجلي الحق تعالى , وغالب الناس يقنع بما وقع له من مدد تجلي الثلث الأخير من الليل , وتجلي جميع القلوب على الحق تعالى في صلاة العصر مأخوذ من الضم كعصر الثوب من الماء فإذا فارق أهل الله تعالى ذلك التجلي حصل لهم زيادة شوق إلى الله تعالى حين أرخى بينه وبينهم الحجب بعد فراغ التجلي كما كان الأمر قبل التجلي , ولسنا نقصد بفراغ التجلي إنعدامه , فالله تعالى دائم التجلي سبحانه , وإنما قصدنا بالتجلي هنا التجلي بالظهور النهاري , وإنعدام التجلي أي بالبطون في التجلي الليلي , وهذا وجه من وجوه آيتي الليل والنهار المطلوب منا التفكر فيهما , فلما كان من الناس من ينسى الله تعالى بعد التجلي غار أهل الله تعالى من غفلة الناس عن ربهم فلذلك خص القوم تبعاً للشارع هذين الوقتين بمجالس الذكر والخير لكون ذلك يذكر الناس بالله تعالى.

وقد روى الشيخ عبد الوهاب الشعراني أنه سمع عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : يفرق الله تعالى الأرزاق المحسوسة التي هي قوت الأجسام بعد طلوع الفجر إلى ارتفاع الشمس كرمح , ويفرق الأرزاق المعنوية التي هي قوت الأرواح من بعد صلاة العصر إلى الغروب .

وروى الترمذي وقال حديث حسن مرفوع : من صلى الفجر في جماعة ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس , ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة , قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ” تامة تامة تامة “.

وحصول الأجر العظيم على العمل اليسير أمر لا يستبعده مؤمن , فإن مقادير الثواب لا تدرك بالقياس , وللحق تعالى أن يجعل الثواب الجزيل على العمل القليل …و الحمد لله رب العالمين.