بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

 

وصف الحق جل وعلا حبيبه خير الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأنه عبد له ، وأنه شرفه بهذه العبودية فقال عز من قائل : { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} الإسراء 1، اسرى بعبده ثم عرج به إلى عليين رفعاً وإكراماً لهذا العبد . عبد أفرغ قلبه لسيده، عبداً حقاً للإله الحق فكان خير الخلق، فهي عبودية ولكنها عبودية حب . وهي الصراط المستقيم .

فالعبودية لله تعالى هي الشرف الأسمى، وهي العلو والرفعة، ففي العبودية تجنى الحرية وبالعبودية تسموا البشرية ولكنها عبودية لمن يستحق أن يكون رباً، إنها لذة العبودية .

وقد رفع الإسلام شعار إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وجال بهذا الإعتقاد رحاب الأرض، وخاض به غِمار الحروب، لتحرير العباد من العبودية لغير الله تعالى . ولا زالت المعركة مستمرة بين عباد الله تعالى وبين عبيد الشيطان الرجيم، فقد نبهنا الحق بقوله : { أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ {60} وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ {61} يس، فنبهنا إلى أن عبودية الشيطان تنبع من العداوة، وتقود إلى الندامة، حاول الشيطان أن يستدرج البشر إلى مهاويها حقداً منه وتكبراً .

وقد عرفت البشرية الأنواع الأخرى من العبودية وكرهوها ولكنهم سقطوا في غياهبها فهناك عبودية أغلال، وعبودية إذلال وعبودية ضلال وعبودية شقاء، وعبودة الهوى، أشكال عديدة من العبودية تكبل الإنسان وتسحقه الماً وظلماً ومعاناةً مستمرة ونهايتها تهوي به إلى الدركات، جهنم خالداً فيها، فقد جاء في الحديث ” تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة …” ، وقد حاولت المخلوقات أن تستعبد بعضها بعضاً، ودأبوا على ذلك، فقامت الحروب، وانتشر الظلم، وعمت الفوضى، وتعبت البشرية ولا زالت .

أما عبودية الحب ففيها اللذة المستمرة وفيها الرضى الكامل وفيها تبادل الحب حيث قال الحق عز من قائل : { .. يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .. المائدة 54 ، وقال تعالى : { .. رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ .. } المائدة 119، يسلم فيها المحبوب أمره لمحبه، فترضى نفسه وتهدأ جوارحه، ويسمو بروحة فيتلذذ بها، نعم يتلذذ بطعم العبودية الحقة، فلا ألم ولا منغصات، ولا خوف من مخلوق ولا خوف على رزق، ولا قلق، راحة كاملة ينشدها كل الخلق .

تولاهم الحق وأعطاهم منحة عظيمة فقال في كتابه الكريم : { .. فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{48} الأنعام، اطمئنان وهدوء، سلام كامل، فأي لذة في العبودية ؟