بسم الله الرحمن الرحيم

الصلاة و السلام على حبيبي و جدّي محمّد الكامِل المُكمّل و على آله و صحبه الأبرار الأطهار

و سلم اللهم تسليما كثيرا

 

يخلط الكثير بين مفهوم (الكمال) و(المثالية) على أنهما يشيران لمعنى واحد، و إن كانا هذا صحيحا من وجه لا من كل الوجوه.

و لفهم روح الكمال من جهة علم (معاني الحروف) فإن: (( الكمال هو الوصل الفاعل المكنون التام تماما مطلقا )) وصل فاعل تام بين مكنونات الظاهر و الباطن، المادة و الروح، الجمال و الجلال…

و لي هنا وقفة أخرى لا بد منها لفهم روح الكمال من جهة علم (التمام و الإكمال) لفضيلة العلّامة الدمشقي هانيبال يوسف حرب حيث يقول حفظه الله تعالى:

“التمامْ هو استيفاءُ حدودَ وأركانَ وشروطَ المخلوقْ، أما الكمالْ فهو الانتقالُ إلى ما وراءِ تلك الحدودْ “.

و ضرب لنا مثالا في تمام و كمال الصلاة حيث يقول فضيلته: “استيفاء حدود وشروط وأركان الصلاة من ركوع و سجود و تلاوة.. يقدم الصلاة على أنها تامة، أما ما وراء تلك الشروط والحدود والأركان من خشوع و إسلام وجه لله تعالى و تجلي الأنوار و العروجات في الملكوت فهو الإخلاص فيها لوجه الله تعالى … وهذا يقدم الصلاة على أنها كاملة “

 لذا و من هذا الفهم نستطيع التفكر في قوله تعالى في واحدة من أعظم سور القرآن، بسم الله الرحمن الرحيم:

{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} المائدة 3

فاليوم أي بختام الرسالة المحمّدية أُكمل الدين و أُتممتْ النعمة، فكمال الدين: أي أنه مستوفٍ لجميع علوم الظاهر من الأحكام و التشريعات و القواعد أي (كمال عالم الشريعة)، و مستوفٍ لجميع علوم الباطن من أسرار و أنوار و معاريج و مطالع أي (كمال عالم الحقيقة)، فكمال الدين من كونه (وصل فاعل تام بين مكنونات عالم الشريعة الأحكامي و عالم الحقيقة العرفاني)…لذا ناسب هذه الحقيقة قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} الأنعام ،38 و بهذا الكمال في الدين أتمت النعمة و كان الرضا المحمّدي عن الإسلام أنه الدين كله.

 *و جاء في سنن الدارمي،عن سفيان قال : كان يقال : “العلماء ثلاثة: عالم بالله يخشى الله ليس بعالم بأمر الله ، وعالم بالله عالم بأمر الله يخشى الله ، فذاك العالم الكامل ، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله لا يخشى الله ، فذلك العالم الفاجر”

فالأول علم عن الله علم حقيقة و لم يعلم عنه علم شريعة، و مع هذا فإن علم الحقيقة أورثه الخشية، فتفكر كيف أن الخشية عالم باطن لا تنبع إلا من عوالم الشهود لا الشرائع.

أما الثاني فعلم عن الله علم حقيقة و علم شريعة و خشي الله فكان عالما كاملا لكمال أنوار علوم الظاهر و الباطن عنده، و لا يجمع بين هذه الأوصاف إلا أهل الإحسان من الخاصة.

أما الثالث فحاله حال الكثير من مدّعي العلم و المتمشخين (مدّعي المشيخة) في زماننا علموا علم شريعة و لم يعلموا علم حقيقة، ولاحظ هنا هذه الحقيقة أن علم الشرائع وحده لا يورث الخشية فالخشية لا تنبع إلا من الباطن و من معرفة الله تعالى بالمعاينةً.

إذن: فالعالم الكامل هو من علم عن الله علم الشريعة و علم الحقيقة و كان يبوسا خشيّا بين يدي الله تعالى.

 *و جاء في المطالب العالية للحافظ ابن حجر العسقلاني ،عن أبي سعيد ، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” قسم الله العقل ثلاثة أجزاء ، فمن يكن فيه كمل عقله ، ومن لم يكن فيه ، فلا عقل له : حسن المعرفة بالله ، وحسن الطاعة ، وحسن الصبر على أمره “

أوصاف أصحاب العقل الكامل جَمْعُهم أجزاء العقل الثلاثة، الأول منها حسن المعرفة بالله و هذه المعرفة شهودية لأهل الإحسان حيث قال معرفة و لم يقل علم و المعرفة أعلى في التعيين حصرا و لا تكون إلا عن شهود و معاينة.

و الثاني حسن الطاعة لله و رسوله، و الطاعة رقيقة وصل بين العبد المحسن و ربه لقوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} النساء 69

و الثالث حسن الصبر على أمر الله فأهل الله من المحسنين الممتحنين الصابرين على أمر الله، فقد قال الله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ..} الأحقاف 35 ،و كذلك قال تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ } الطور 48،فأكثر الناس ابتلاءً الأنبياء فالأمثل فالأمثل.

 

جعلنا الله و إياكم من المتحققين بكمال محمّد الواصل الوصول عليه و على آله أفضل الصلاة و التسليم

و الحمد لله رب العالمين