بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين و صلّ اللهم و سلم و بارك على سيدنا محمد الأمين خير من حدَّث بالحق عن ربه و على آله و صحبه أجمعين و الصدّيقين و الورثة و التابعين

عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدَّثون ، فإن يك في أمتي أحد ، فإنه عمر ” * أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب المناقب , و مسلم في كتاب فضائل الصحابة .

و زاد زكرياء بن أبي زائدة ، عن سعد ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال ، يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر”، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ” من نبي ولا محدث ” * أخرجه البخاري .

* التحديث قد يكون تكليماً :

قال النووي في شرح صحيح مسلم : اختلف تفسير العلماء للمراد بمحدَّثون فقال ابن وهب : ملهَمون، وقيل : مصيبون إذا ظنوا فكأنهم حدثوا بشيئ فظنوه، وقيل: تكلمهم الملائكة، وجاء في رواية: مكلمون .

قال القرطبي : ‘محدَّثون’ بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن ..أو تكلمه الملائكة بلا نبوة .

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ” لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال ، يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر ” قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ” من نبي ولا محدث ” * أخرجه البخاري .

دليل جواز التكليم من الله تعالى :

قال تعالى : { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ }الشورى51 .

دليل جواز التكليم من الملائكة :

{ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ } آل عمران42

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى معلقاً على هذه الآية : ” اعلم أن مريم عليها السلام لم تكن من الأنبياء … كان إرسال جبريل عليه السلام كرامة لها , و كلمها شفاهاً ,و ليس هذا خاصاً بها بل هناك كثير من الصالحين كلمتهم الملائكة عليهم السلام ” .. التفسير الكبير للإمام فخر الدين الرازي ج2 – ص 669.

* التحديث قد يكون إلهاما :

قال ابن وهب : تفسير محدثون : ملهمون .

و المحدَّث : هو الملهم الصادق الظن , و هو مَن آُوقِعَ في قلبه شيء من قبل الملأ الأعلى , فيكون كالذي حدثه غيره , كما ذكره عبد القادر عيسى رحمه الله تعالى في كتابه ” حقائق عن التصوف “.

قال القرطبي : ‘محدَّثون’ بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن، وهو من ألقي في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الاعلى، …، وألقي في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له .

معنى الإلهام :

” و الإلهام : ما يُلقى في الروع بطريق الفيض, و قيل : الإلهام ما وقع في القلب من علم ، تعريفات الشريف الجرجاني ص 23 .

” و الإلهام إما أن يكون من قِبل الله تعالى , أو من قِبل ملائكته , يفهم منه أمر أو نهي أو ترغيب أو ترهيب ” حقائق عن التصوف ص 437 .

الإلهام من قِبل الله تعالى :

قال تعالى : { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً } مريم 25 ، قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى عند تفسير هذه الآية : ” إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع و الإلهام و الإلقاء في القلب كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله : { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى } القصص7 .

الإلهام من قِبل الملائكة :

” و أما الإلهام من قبل الملائكة : فالملَّك يُحدِّث الإنسان , كما قال صلى الله عليه وآله و سلم : ( …و أما لمَّةُ الملك فإيعاذ بالخير و تصديق بالحق , فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ) رواه الترمذي في كتاب التفسير , تفسير سورة البقرة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه و قال : حديث حسن غريب ، و اللمّة : الهمة و الخطرة تقع في القلب ، كما في غريب الحديث” حقائق عن التصوف ص 439 .

قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ },{ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ .. } فصلت30-31 ، و قال العلاَّمة الألوسي رحمه الله تعالى مفسراً تنزل الملائكة في هذه الآية : ” تتنزل عند الموت و القبر و البعث ، و قيل : تتنزل عليهم : يمدونهم فيما يَعنُّ و يطرأ لهم من الأمور الدينية و الدنيوية , بما يشرح صدورهم , و يدفع عنهم الخوف و الحزن , بطريق الإلهام “.

قال الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله تعالى : ” للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية بالإلهامات و المكاشفات اليقينية و المقامات الحقيقية , كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح بإلقاء الوساوس فيها و تخييل الأباطيل إليها ” .

 

يتبع في العدد القادم إن شاء الله تعالى ………