بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على حبيبي محمد جامع التجليات للواصلين وقبلة الرحمات للحائرين ودليل هداية السالكين وعلى آله وصحبه وسلم

إن السلوك إلى الله تعالى هو سير وسفر للوصول إليه بالمعرفة عنه وهذا أولى الواجبات المكلف , ولا يكون السلوك إلا بإرادة ولذلك سُمي السالك ( بالمريد) لأن إرادته في السير والوصول والتي كانت دليلاً عليه هي ما تميزه عن غيره من المسلمين .

ولا يكون السلوك إلا بوجود الدليل .. وهذا الدليل هو الولي المرشد الذي اتخذ من تتويجه ولياً في عالم الملكوت أن يكون مرشداً في عالم الملك فكان مستحقاً للأوصاف الإلهية ( الولي – الرشيد ) ..فالولي المرشد هو ظل الله في أرضه مؤيَداً بعلم الله تعالى وروح قدسه قائماً بالله تعالى ليكون دليل السالكين ومصباح المهتدين وصلة الوصل بين المريد وربه ليصل إليه بالرقي الذي يتعلمه على يد وليّه ..

وإن الالتقاء بالولي المرشد والإقتداء به والسلوك على يديه إنما هو دليل الهداية الربانية : ( مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ) الكهف17

لأن مَن ينوي الدخول إلى حضرة المَلِك لابد أن يكون لائقاً بهذا اللقاء ويعرف أصوله

وآدابه ليأذن له الملك بالدخول للوصول ..

ولطالما يتراءى للمريد السالك أنه هو مَن اختار الطريق أو وليه المرشد.. و ينحجب عن حقيقة خيار الله تعالى له هداية الطريق بخصوصية الولي الذي اختاره له في عالم الغيب ليُظهر خياره له في عالم الشهادة فتتم مبايعة الله ومعاهدته على الالتزام بالطريق الموصل إليه وذلك لتنوع استعدادات العباد واختلافها ورحمة بهم ..وبدءاً من هذه اللحظة يدخل في كنف العناية الربانية والرعاية الإلهية مراعياً الوعد والعهد ليصبح تحت مظلة قوله تعالى:{الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد20 وذلك باستدامة العرفان والوفاء بشرط الإحسان والتوقي من ارتكاب العصيان .. بذلك اُبرِمَ العقد يوم الميثاق والضمان .

وفي ظل أنوار قبول الله تعالى له واصطفائه ليكون في حضرة التقرب و القرب ..قد ينقلب السالك ليصبح ناسياً للوعد ناكثاً للعهد مبرراً للبعد أنه (في نظره ) عين القرب ..

يختار النأي عن الطريق ويرفض اختيار رب العالمين له إلى الطريق .. رافضاً التسليم ..ومن المؤكَد أنه لا يزيغ قلب سالك بعد الهداية إلا لهوى عظيم لَفَته , وفتنة بالغة هَوَتْ به إلى حيث لا يدري.. فيعترض على وليه باطناً أو ظاهراً .. ويجادله ويرفض توجيهاته .. وحقيقة أنه ما اعترض إلا على رب العالمين ولم يجادل أحداً سواه ، وقد تختلف الفتن التي يتعرض لها .. فمن فتنة النفس إلى فتنة المال و العلم و الشهوة و الولد وفتنة شياطين الإنس و الجن الذين تكون وظيفتهم مع هؤلاء أنها (تَؤُزُّهُمْ أَزّاً ) ذلك أن قِبلة السالك في نيته أن يكون ولياً من أولياء الله تعالى ( كما علَمنا فضيلة العلاَمة الدكتور هانيبال يوسف حرب حفظه الله تعالى ) وكل من أراد الولاية لابد أن يمده الله تعالى بأنوار العلم وذلك أنه ( ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ولو اتخذه لعلمه ) .. وحين ينقلب السالك على روحه ويتبع نفسه تنقلب تلك الأنوار عليه نيراناً و نكساً حين يعتبر أن ما حصَله من علم يخوّله التمرد والترك فيتخذ من كبَره طريقاً لضلاله ..

{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى

بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } الجاثية23

وتشتد تباينات الأقدار عليه في مواجهة حقيقة أن الوصول إلى الولاية تكون في السعي نحو الكمال , و لا يكون الكمال إلا بتذوقات الجمال والجلال ..

قد تصفو الحياة وتطيب وتزدهر بالجمال وتجلياته وبديع ظهوراته ..

أما لحظات الجلال فعندها تكون المكاشفات و بها تتهاوى التهيؤات وتتبدى الحقائق والدقائق .. إنها لحظة الفصل بين الالتفات إلى الدنيا وبريقها الزائل أو الالتفات عنها إلى الحياة ونعيمها الدائم ..

{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً }الأحزاب15

وقد ينحجب السالك بوليه المرشد ويعتبر أنه قد عاهده لشخصه فقرر أن ينكث العهد .. وبذلك يكون قد انحجب عن مبايعة الله.. وكان كاذباً في عهده بمبايعته .. لم ينسَ و إنما تناسى.. مبرراً فعلته بأنه غير قادر على المتابعة أو أن قَدَره قد يكون مع غيره من الأولياء وكأن الأمر تنقلات وخبرات أو انتقاء و تفلتات .. ولم يتمكن من الثبات في حقيقة أن الولي هو جنة الجنان من رياض الحنَان المنان ونسي أول آية تلاها في (توهم ) عهده مع الله تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً }الفتح10

إنما المبايعة مع الله تعالى .. وإن يد الله تعالى في المنة عليهم بالتوفيق والهداية فوق أيديهم بالوفاء حين المبايعة .. ( إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ) فما كان انهماكهم في مخالفة ربهم إلا سعياً في هلاك أنفسهم (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ )… فالناكث هو من وصفه الله تعالى : {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }البقرة27

فبنقضه عهد الله تعالى يكون قد قطع تلك الوصلة الاصطفائية بالولاية الإرشادية بينه وبين ربه .. فحق عليه أن يكون مفسداً في الأرض ساعياً في الخراب وينكس بالخسران المبين .. ذاك ما قرره رب العالمين بالحكمة الإلهية .. بل أكثر من ذلك أنه حسم أمرهم:

{وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ }الرعد25

فالناكث يرجع إلى أحكام العادة بعد سلوكه طريق الإرادة فقد نقض عهده وكان من العدل أن يُعاقَب بقطع سره بانقطاع سيره ..حين فضَل الاستعانة بالأغيار وترك الاكتفاء بالواحد الجبار ..ورجع إلى الاختيار والتدبير بعد شهوده الأقدار والتقدير ..

وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير فقال: ” أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر”. متفق عليه.

بل عدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان متصفا بهذه الصفة الذميمة ممن ذهبت مروءتهم ودينهم فقال:” لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له “. رواه أحمد. وقال ابن الجوزي رحمه الله: إن نقض العهد من صفات الفاسقين.

بل وأكثر من ذلك فإنه قد رفض الامتثال لكلام الله عز وجل إذ أمر : (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) وتحدى أمره .

وبعد نيل الناكث لكل تلك الأوصاف الذميمة نراه يجاهد من أجل الغضب الرباني الأوفى ..

إذ يتشدق بالطعن في أولياء الله الذين هم رُسُل الله إلى خلقه ونبراس طريقهم ونور هدايتهم… إذ بهم اهتدى إلى الله تعالى ومدوا له يد العون بإرادة ربانية لتنقشع عنه سحائب العذاب الدنيوي وعواصف الضياع وإذ به يتولى وأي تولي ؟؟ وقد ذكره الله تعالى في فرقانه العظيم : {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً }الأحزاب12

وبذلك فقد (َكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً } فمَن هان عليه ربه هان عليه كل شيء .. ومَن فقد الصدق والإخلاص فقد استحق عقوبته بالعلوق برق الأكوان والسقوط في الهاوية و ( لا خلاص ) .. ومالنا إلا الدعاء : {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ }آل عمران8

اللهمّ إنا نسألك الرضا والثبات والسداد في المهمات واجعلنا في حياض كمال رياض

الصدق والإخلاص وحققنا بكمال الشهود وأكرمنا بما يرضيك عنا آمين يا رب العالمين

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

و الحمد لله رب العالمين