بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أكرم الخلق نور العالمين

سيدنا محمد مهجة قلوب العارفين

أخرجهم من الظلمات إلى نور رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين

الله تعالى النـــور : تشرق بنوره العوالم وتحيا به الأكوان ويسري نوره في كل زمان ومكان, لا يحده حد ولا يحجزه ظالم, فهو منوّر قلوب الملائكة حتى سبحوه، وقدسوه، ومنوّر قلوب الرسل حتى عرفوا حقيقة المعرفة، وعبدوه حقيقة العبودية، وكذلك قلب العارفين لينور قلوبهم بالمعرفة ويهديهم لذلك وأتم الله تعالى نوره بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام وعلى الآل أجمعين لتنطلق منه الأنوارلينشره كشعاع الشمس للعالمين . للشجر والحجر وللإنسان والحيوان فكل له نصيب من نور الله عز وجل المتجلي, ليشحن الإنسان ذلك النور المستمد من ربة ليزاد تطوراً وفهماً ومعرفة بخالقة الله سبحانه وتعالى .

قال الله تعالى : { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } يملئ الله تعالى الأكوان من رحمته رقائق نورانية ليحي بها كل من في السموات والأرض ويعلمهم تسبيحهم ويعرفهم بخالقهم وكل له نوره بحكمة ومقدار .

قال تعالى : { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } ولطالما إن الله تعالى صاحب النور يهبه لمن يشاء ويحجبه عمن يشاء كان تفاوت بين الخلق في الصفات والأشكال وحتى الهداية والضلال . ووصلنا بالأسماء الحسنى وصلنا  ببحور من الأنوار يغترف منها المؤمن بقدر صلته معرفته بالله تعالى لهذا نرى الأنبياء والعارفين بالله هم أكثر أناس إزدادوا نوراً وتألقاً لمعرفة هذه الأنوار  فكان رزقهم أوسع وتحققهم بالعبودية الكاملة كان أصدق وهذه الأنوار لها ألوان مختلفة .. أولها : نور حفظ القلب، ثم نور الخوف، ثم نور الرجاء، ثم نور الحب، ثم نور التفكر، ثم نور اليقين، ثم نور التذكر، ثم النظر بنور العلم، ثم نور الحياء، ثم نور حلاوة الإيمان، ثم نور الإسلام، ثم نور الإحسان، ثم نور النعمة، ثم نور الفضل، ثم نور الآلاء، ثم نور الكرم، ثم نور العطف، ثم نور القلب، ثم نور الإحاطة، ثم نور الهيبة، ثم نور الحياة، ثم نور الأنس، ثم نور الإستقامة، ثم نور الإستكانة، ثم نور الطمأنينة، ثم نور العظمة، ثم نور الجلال، ثم نور القدرة، ثم نور العدل، ثم نور القوة، ثم نور الإلهية، ثم نور الوحدانية، ثم نور الفردانية، ثم نور الأبدية، ثم نور السرمدية، ثم نور الديمومية، ثم نور الأزلية، ثم نور البقائية، ثم نور الكلية، ثم نور الهيبة، ولكل واحد من هذه الأنوار أهل وله حال، ومحلها، وكلها من أنوار الحق التى ذكرها الله تعالى فى قوله : { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ولكل عبد من عبيده مشرق من نور هذه الأنوار وربما كان حظه من نورين، ومن ثلاث، ولا تتم هذه الأنوار لأحد إلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم . ونرى في تفسير ابن عربي للآية  35 من سورة النور جماليات التصوير والتعبير  في وصف ذلك النور القدسي قال تعالى : { ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ } .

{ الله نور السماوات والأرض } النور هو الذي يظهر بذاته وتظهر الأشياء به، وهو مطلقاً اسم من أسماء الله تعالى بإعتبار شدّة ظهوره وظهور الأشياء به ولما وجد بوجوده، وظهر بظهوره، كان نور السموات والأرض، أي : مظهر سموات الأرواح وأرض الأجساد وهو الوجود المطلق الذي وجد به ما وجد من الموجودات والإضاءة { مثل نوره } صفة وجوده وظهوره في العالمين بظهورها به كمثل { مشكاة فيها مصباح } وهي إشارة إلى الجسد لظلمته في نفسه وتنوّره بنور الروح الذي أشير إليه بالمصباح وتشبكه بشباك الحواس وتلألؤ النور من خلالها كحال المشكاة مع المصباح . والزجاجة إشارة إلى القلب المتنوّر بالروح المنوّر لما عداه بالإشراق عليه، تنور القنديل كله بالشعلة وتنويره لغيره . وشبّه الزجاجة بالكوكب الدريّ لبساطتها وفرط نوريتها وعلوّ مكانها وكثر شعاعها كما هو الحال في القلب . والشجرة التي توقد منها هذه الزجاجة هي النفس القدسية المزكاة، الصافية، شبّهت بها لتشعب فروعها وتفنن قواها، نابتة من أرض الجسد ومتعالية أغصانها في قضاء القلب إلى سماء الروح، وصفت بالبركة لكثرة فوائدها ومنافعها من ثمرات الأخلاق والأعمال والمدركات وشدّة نمائها بالترقي في الكمالات وحصول سعادة الدارين، وكمال العالمين بها، وتوقف ظهور الأنوار والأسرار والمعارف والحقائق والمقامات والمكاسب والأحوال والمواهب عليها، وخصّت بالزيتونة لكون مدركاتها جزئية مقارنة لنوء اللواحق المادية كالزيتون، فإنه ليس كله لبّاً، ولوفور قلّة إستعدادها للإشتعال والإستضاءة بنور نار العقل الفعال، الواصل إليها بواسطة الروح والقلب كوفور الدهنية القابلة لإشتعال الزيتون .

ومعنى كونها { لا شرقية ولا غربية } إنها متوسطة بين غرب عالم الأجساد الذي هو موضع غروب النور وبروزه عن الحجاب النوراني لكونها ألطف وأنور من الجسد وأكثف من الروح .

{ يكاد } زيت إستعدادها من النور القدسي الفطري الكامن فيها، يضيء بالخروج إلى الفعل والوصول إلى الكمال بنفسه، فتشرق { ولو لم تمسسه نار } العقل الفعال . ولم يتصل به نور روح القدس لقوّة إستعداده وفرط صفائه { نور على نور } أي : هذا المشرق بالإضاءة من الكمال الحاصل نور زائد على نور الإستعداد الثابت المشرق في الأصل كأنه نور متضاعف { يهدي الله لنوره } الظاهر بذاته المظهر لغيره، بالتوفيق والهداية { من يشاء } من أهل العناية ليفوز بالسعادة { والله بكل شيء عليم } يعلم الأمثال وتطبيقها، ويكشف لأوليائه تحقيقها ..

والحمد الله على النور المحمدي الذي فينا لنعلم أن كل الأنوار إجتمعت في الفؤاد  يسترها حجب صنعناها بأيدينا فالندعوا الله صاحب النور أن يزيل الحجب لنرتقي  ونصبح أولياء له ونحشد كل الأنوار ونفوز بنور حبه ليكون لنا ما كان في الحديث الشريف : ” عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إن الله تعالى قال من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، رواه البخاري . ”

فالولي هو العارف بالله تعالى الذي استهدى لنور وعرف إن كل من عند الله تعالى . يمده الله عز وجل بأنوار أسماءه ليظهر تجلياته على ذلك الولي  وعلى كل الخلائق … سبحانه … نـور على نـور .