بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدي و حبيبي حبيب رب العالمين قرة عين المحبين ونور بصيرة الواصلين حبيبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم عدد بركات أنفاس العارفين وطيب زفرات العاشقين

لكل سائر مقصد ولكل مقصد مقر طال المكوث أو قصر اللبوث فيه .. وما من إنسان إلا وهو ينشد الاُنس والطمأنينة والإستقرار أياً كان مقصده .. نجاحاً أو ربحاً أو فوزاً أو علماً أو لقاء وكل ما يراه نعيماً لذاته , فتكون تلك الطمأنينة هدفاً خفياً أو ظاهراً وتكون قرة عينه منشوده في قصده والسبيل …

و القـرّ في اللغة : البرد الشديد .

وعين الشيء : ذاته .

و من الدعاء ما يكون ( أقر الله عينك ) أي منحك الفرح حتى تبرد عينك بدمعه ( وذلك أن دموع الفرح باردة ودموع الحزن حارة ) و أقر ذاتك بنيلك مقصودك المخصوص .

وقد ذُكر في القرآن الكريم صوراً لقرة العين فقد قال حبيبي عز وجل من قائل في كتابه العظيم : بسم الله الرحمن الرحيم

– { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً } الفرقان74

– { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } السجدة17

– { إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى } طه40

– { فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } القصص13

– { تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَلِيماً } الأحزاب51

– { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ أِنسِيّاً } مريم26

– { وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ } القصص9

ولِما جعل الله تعالى لقرة العين من خصوصية معنى الفوز بالنعيم واستقراره وثبوته , فكانت تارة بطلب من العبد , وتارة بوعد الرب للعبد , وتارة بمنحة من الرب جزاء للعبد , وتارة كانت أمل منشود وغاية سؤل مروم .

وها نحن نصغي للحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه ( حُبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة ) ..

كما قال أيضاً : ( الصلاة صلة بين العبد وربه ) .

وفي هذا النور المعرفي يقول العلاَمة الدمشقي فضيلة الشيخ الدكتور ( هانيبال يوسف حرب ) حفظه الله تعالى :

قال حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم : الصلاة صلة بين العبد وربه .. وأشرح قائلاً :

( أكيد ليس صلة جسم , فالله منزَه عن أن يحده جسم بل هي صلة معنوية روحية لها عالم خاص تحكمه قوانين خاصة اسمه عالم الوصل .. ولذا كان من أسماء سيدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الواصل – والوَصول بفتح الواو – والموصول – ولايمكن ذلك إلا بقواعد علم روحانيات الصلاة كما درسناها و تعلمناها وتدربنا على ممارسة قواعدها مع مشايخنا بالسند المتصل ) .

فمن عالم الوصل الخاص هذا جعل الله تعالى قرة عين الحبيب بوصله ووصاله ومناجاته مع حبيبه , ففي الوصال معه صلة عشق لا متناهي , شهود لشاهد مشهود يلذ به طيب الوجود ( لَذَّةٍ للشَارِبين ) من شراب الحبيب العذب الطيب إذ يجعل الحبيب هائماً في حلاوة المناجاة فانياً في جلال المكاشفة , باقياً في جمال الملاطفة ..

فما ذاك الشهود الذي تكون به قرة عين الحبيب ؟

إنه قيام لواصل هو رحمة العالمين بين يدي ذات الرحمة الإلهية , ( دَنَا ) إذ أقام الصلاة ودخل بأنوار الشهود ( فَتَدَلَى ) بركوع في خضوع وبسكون قلبه إلى عالم اﻟ ( أَدْنَى ) بجمال وجلال كماله..

وبذلك جعل الله تعالى قرة عينه ( في الصلاة ) ..

ومن المعروف أن ( في ) : تفيد الظرفية المكانية , فالصلاة إنما هي محل قرة عينه الكائن بها شهود ربه ..

ومَن تقر عينه في شيء أو حال فإنه يلازمه ويود أن لا يفارقه ( أرحنا بــها يابلال ) : أي بقيام الصلاة كسبب ليحظى بقُرة عينه في مناجاة ربه .. و ما كانت صلاة تشبه صلاة و لا لقاء يماثل لقاء .. بل كان موعد متجدد بأنوار قدسية منها يحصل الاستزادة من الرب العليم في عالم الوصل السرمدي ( رَبِ زِدْنِيْ عِلْمَاً ) بعلوم الحب اللدنية , والمعارج الملكوتية ..

لم تكن قرة عينه بصلاته .. وإنما بربه في صلاته إذ كان إسراؤه بالحبيب وعروج إليه .

والعين هي مجلا الرؤية والبصر والبصيرة والنظر ( عين القلب وجوهر العين ) ولقد اختص الله تعالى الرؤيا بمقام الإحسان ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فكان عابداً بدقائقه , وكانت صلاته بوصله من أخص عباداته , فكان يرى حبيبه بعين قلبه الإحساني وحقيقة مرآه الحقاني وبحقيقة رقيقة :

( مَا كَذَبّ اْلْفُؤَادُ مَا رَأَى ) من ورود الأنوار وتهافت الأسرار على عين ذاته .

و ( مَا زَاغَ اْلْبَصَرُ وَ مَا طَغَى ) بل بقي ( حم ) في حضرة الرب الرحيم برؤية شهودية هي قرة عينه ..

إذ يكون متوجهاً وملاقياً الأنوار الذاتية بشهود الجمع على الأحدية ومكنون جمالها ورياض أنوارها حيث تسبح الروح في سبحات النور ساعية في هيام القرب والحب ..

فكيف لا تكون قرة عينه في صلاته ؟

اللهم اجعلنا قائمين بالرقائق المحمدية واجعل صلاتنا قرة عينننا بعين محمدية , واجعلنا قرة عين حبيبنا وولينا عليه أكمل الصلاة وأتم التسليم آمين يارب العالمين .

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

والحمد لله رب العالمين