بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا .. إنك تجعل الحزن إذا شئت سهلاً سهلا .. لاتكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك .. رحمتك نرجو إن ربك هو الفتاح العليم .. سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب وبعد

لا اله إلا هو الواحد الأحد تنزه عن الحلول والاتحاد وسجدت له الأكوان طوعا وكرها

ورغم انف كل معاند جبار وقهر بآياته كل مستكبر كفور

رسالة الحُبُك

قال الحق تبارك وتعالى:

(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ* إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ)

هذه الآية تحدثنا عن خاصية موجودة في السماء وهي أنها ذات حُبُك أي: ذات طرق ،والحبك في اللغة جمع حبيكة : وتعني طرق (جمع ) مفردها الطريق .

وتأتي بمعنى النسيج المتراص المحكم وعندها يكون جمعها حبائك أما حبك فهي الطرق : والسماء ذات الحبك أي ذات الطرق لنتأمل روعة الخلق وقدرة الخالق عز وجل……

 وقد طرح العلماء سؤالاً عن شكل الكون : ما هو شكل كوننا الذي نعيش فيه؟

فبعدما اكتشفوا أن مجرتنا ليست هي الوحيدة في الكون، وجدوا أن الكون مليء بالمجرات، وأن هذه المجرات تصطف على ما يشبه خيوط النسيج!

أو بشكل أدق : مسارات وطرق نظامية محبوكة فيما بينها كالنسيج القماشي .

 وإليكم كيف اكتشفوها :

المجرة هي : تجمع من النجوم يحوي أكثر من مئة ألف مليون نجم، ومجرتنا هي مجرة درب التبانة وتحوي هذا العدد الهائل من النجوم، ولو نظرنا إلى السماء في ليلة صافية فإن معظم النجوم التي نراها تنتمي إلى هذه المجرة ولكن هذه المجرة ليست هي الوحيدة في الكون إنما هنالك أكثر من أربع مئة ألف مليون مجرة!

هذه المجرات تتوضّع كما كان يعتقد العلماء عشوائياً يعني ظل الاعتقاد السائد أنها تتوضع عشوائياً وليس هناك أي نظام يربط بينها، ولكن في العام الماضي قام علماء من الولايات المتحدة الأمريكية ومن كندا ومن ألمانيا بأضخم عملية حاسوبية على الإطلاق كان الهدف من هذه العملية معرفة شكل الكون ولكن هذه المهمة تطلبت تصميم كمبيوتر عملاق هو السوبر كمبيوتر.

السوبر كمبيوتر هو جهاز كمبيوتر عملاق يزن أكثر من مائة ألف كيلو غرام وهذا الجهاز يحتاج إلى مبنى ضخم وتكاليف باهظة والعجيب أن سرعة هذا الجهاز في معالجة المعلومات أو البيانات أنه ينجز في ثانية واحدة ما تنجزه الحاسبات الرقمية العادية في عشرة مليون سنة، فتأملوا معي ضخامة هذا الجهاز الذي سموه العلماء بـ (سوبر كمبيوتر).

لقد أدخل العلماء عدداَ ضخماً من البيانات حول هذا الكون فأدخلوا بياناتٍ حول أكثر من عشرة آلاف مليون مجرة وبيانات حول الدخان الكوني وبيانات حول المادة المظلمة في الكون وبقي هذا الكمبيوتر العملاق وعلى الرغم من سرعته الفائقة بقي شهراً كاملاً في معالجة هذه البيانات وكانت الصورة التي رسمها للكون تشبه تماماً نسيج العنكبوت الغني بالطرق الواصلة بين نقاطه .

إن الذي يتأمل هذه الصورة وما فيها من نسيج محكم من الأنفاق الفضائية يلاحظ على الفور أن المجرات لا تتوضع عشوائياً إنما تصطف على خيوط طويلة ودقيقة ويبلغ طول الخيط الواحد مئات الملايين من السنوات الضوئية، عندما رأى العلماء هذه الصورة أدركوا على الفور وجود نسيج محكم في السماء فأطلقوا مصطلح (النسيج الكوني). بدأ العلماء بعد ذلك بدراسة تفاصيل هذا النسيج وبدؤوا يصدرون أبحاثاً ومقالاتٍ حول هذا النسيج ومن أهمها مقالة

بعنوان(كيف حُبِكَت الخيوط في النسيج الكوني)

وقد لفت انتباهي في هذا البحث أن هؤلاء العلماء يستخدمون الكلمة القرآنية ذاتها يستخدمون كلمة Weave باللغة الإنكليزية وهي تماماً تعني حبك، وأدركت مباشرة أن هذه الآية تصوّر لنا تماماً هذا النسيج

في قوله تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ).

يقول الإمام الزمخشري رحمه الله تعالى: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ: إذا أجاد الحائك الحياكة قالوا ما أحسن حبكه ). إذاً الإمام الزمخشري تحدث عن نسيج تم حبكه بإحكام . والإمام القرطبي تناول هذه الآية أيضاً وقال فيها: (ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه يقال منه حبَك الثوب يَحبِكُه حَبكاً أي : أجاد نسجه ) ، ولكن الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى له تفسير جميل وعجيب ويطابق مئة بالمئة ما يقوله اليوم علماء الغرب ! فالإمام ابن كثير يقول : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ أي: حُبكت بالنجوم ، ولو تأملنا المقالات الصادرة حديثاً عن هذه الأنفاق نلاحظ أن العلماء يقولون : إن الكون حُبك بالمجرات .

تحدث العلماء عن هذا النظام النفقي طويلاً، ووجدوا بأنه مُحكم لأننا إذا تأملنا صورة النسيج الكوني او الأنفاق نلاحظ أن كل نفق تتوضع عليه آلاف المجرات ولا ننسَ أن كل مجرة فيها مائة ألف مليون نجم وهي تبدو في هذه الصورة كنقطة صغيرة لا تكاد ترى فالنقاط الصغيرة في هذه الصورة – النقاط المضيئة – هي مجرات ، ونلاحظ أن هذه المجرات تصطف على خيوطٍ دقيقة جداً وكل خيط يبلغ طوله ملايين بل مئات الملايين من السنوات الضوئية والسنة الضوئية !!

إن هذه الأنفاق الفضائية يتحدث عنها علماء الغرب بقولهم إن خيوطا قد شُدّت بإحكام مذهل أي أنه نسيج وأنه محكم وهو أيضاً متعدد ، يعني هذا النسيج الكوني وهذه الشبكة الفضائية لا تتألف من طبقة واحدة، إنما هنالك طبقات بعضها فوق بعض ولو تأملنا الصور التي رسمها السوبر كمبيوتر لهذا النسيج وما فيه من تعقيد وإحكام مُبهر نلاحظ أن الله تبارك وتعالى قد أحكم صناعة هذا النظام المروري بشكل يدلّ على أنه عز وجل قد أتقن كل شيء، كيف لا وهو القائل : ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) [النمل: 88] .

السنة الضوئية : هي ما يقطعه الضوء في سنة كاملة، فالضوء يسير بسرعة تبلغ ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، ففي سنة كاملة يقطع مسافة تساوي: سنة ضوئية واحدة. إن مجرتنا والتي تحوي أكثر من مائة ألف مليون نجم يبلغ قطرها أو طولها مائة ألف سنة ضوئية أي أن الضوء يحتاج حتى يقطع مجرتنا من حافتها إلى حافتها مائة ألف سنة كاملة، فتأملوا كم يحتاج الضوء ليقطع الكون من حافته إلى حافته والعلماء يقدرون حجم هذا الكون بحدود ثلاثين ألف مليون سنة ضوئية، طبعاً هذا الكون المرئي وما بعد هذا الكون لا يعلمه إلا الله تبارك وتعالى.

ومن هنا نستطيع أن نستنج أن الله تبارك وتعالى قد أودع في كل كلمة من كلمات كتابه معجزة مبهرة، ففي كلمة واحدة هي كلمة (الحُبُك) تتجلى أمامنا معجزة عظيمة، هذه المعجزة العظيمة تتضح أمامنا من خلال أن الله تبارك وتعالى عبّر بكلمة واحدة عن حقيقة هذه الأنفاق الفضائية ، بينما العلماء يستخدمون كلماتٍ متعددة حتى يصلوا إلى النتيجة ذاتها.

مقطع من دماغ إنسان بعد بتكبير خلايا الدماغ العصبية

الملاحظ أن الصورة الناتجة صورة نسيج الدماغ تشبه تماماً صورة الأنفاق الفضائية

وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أن الخالق واحد:

( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ )  الزمر: 62 .

 

لماذا ذكر الله تبارك وتعالى هذه الحقيقة في كتابه المجيد؟!

نعلم أن علماء اليوم يندفعون باتجاه اكتشاف أسرار الكون ودافعهم في ذلك حب الفضول وحب المعرفة، ولكن القرآن لا نجد آية واحدة إلا ومن وراءها هدف عظيم. فلو تأملنا سلسلة الآيات في قوله تعالى: { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) [ الذاريات: 7-9] و الإفك هو الكذب، أي أن هؤلاء الذين يفترون على الله كذباً ويقولون إن هذا القرآن ليس من عند الله إنما كلامهم مضطرب ولا يستقيم أبداً، فيا أيها الملحدون المشككون بكتاب الله تبارك وتعالى كما أنكم لا تشكون أبداً في رؤيتكم لهذا النسيج المحكم، وكما أنكم لا تشكُّون في أنكم تنطقون، كذلك ينبغي أن تدركوا وتتأكدوا أن هذا الكلام هو كلام الله تبارك وتعالى، لأنه لا يمكن لبشر أن يتنبأ بالبنية النسيجية للكون قبل أربعة عشر قرناً.

وقد قال الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه إني اعلم منكم بطرق السماء من طرق الأرض .

فالحبك هي الطرق وكل خيط نسيجي من هذه الخيوط هو طريق مختصر بين النقطتين الموصولتين كانت عليها معارج الأنبياء والأولياء وما تزال ولكن المعاندين مستكبرون وقد تكلمت عن الأنفاق الفضائية في علم الخريطة الفضائية منذ سنوات وهاهو العلم الحديث يصور ويرسم و يحدد و يعترف .

والحمد لله رب العالمين .