بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ولا إله إلا الله وحده لاشريك له تنزه عن الإتحاد والحلول

والصلاة والسلام على سيد المرسلين جدي وحبيبي وسيدي محمد وآله وصحبه وسلم

 

اعلم ياولي في الله تعالى أن هذا الهيكل إنما سمي بهيكل الهوية الذاتية لأن الهوية ظهرت فيه بتجليات وتنزلات فما ثمّ تجلِ أو تنزل إلا والهوية الذاتية بوحدانيتها تمده, وما من تجلي في هذا الهيكل إلا والهوية الذاتية هي الظاهرة بصفة ما فيه, ولعل السمة الأبرز في هذا الهيكل الذي لا أُقيد مما فيه إلا ما يأذن الله تعالى في وارد الوقت هي أنه مجملٌ مفصلٌ, فهو في ذاته كتاب كامل, وقد وجدت هذا الهيكل على مائة وثلاثة وعشرون مدرجاً, كل واحد منها يصف ما يشيب له العاقل مما في تجليات تلك الهوية .

واعلم ياوليي في الله تعالى أني وجدت في هذا الهيكل ولله الحمد أسراراً كثيرة يشرفني أن أذكر في بدايةً هذا الباب بما يُحصل العبدُ سر الإمتاع وأي نوع هو, ففي هذا الهيكل تجد علم الإمتاع وأن الإمتاع إنما يحصل للعبد من الرب بسبب يتبعه سبب, أما الأول فهو الاستغفار وأما الثاني فهو التوبة, ولا يكون الإمتاع هنا إلا بتتابع السببين, وأن نوع الإمتاع الممنوح للعبد إنما هو الإمتاع الحسن ومن كونه حسناً عرفنا أنه إمتاع خالي من القبائح, فما حسنه الشارع بشرعه لا يُقبحه عقل ولا غيره, وهو إمتاع مطلق في الحسن يتقلب فيه العبيد بين ماتع وأمتع .

وفيه أيضاً أن الإمتاع واصل إلى أجل مسمى فعلمتُ أن الإمتاع الحسن إنما يدخل تحت رق الزمان .

وفي هذا الهيكل أيضاً علم إيتاء ذوي الفضل فضلهم وإن هذا العلم مرتبط بعلم الإمتاع من وجه لا من كل الوجوه , فإذا علمته وجدت أن الوجه الذي يرتبط به مع علم الإمتاع هو عين السببين المذكورين سابقاً, وعلمت أن تتابع السببين كما يعطي الإمتاع الحسن إنما أعطى صاحب الفضل فضله, وكم عاينت في الطريق من يتذمر من عدم عود الفضل إليه, ويشتكي ويقول أنشرُ الفضل بين الناس ولا يعود علي إلا الخسران وكأنني أرمي فضلي في بحر لا قاع له, فكنت دائماً أستعين بالله تعالى – إن عرفت فيهم إرادة الله تعالى للعناية بهم – وأدل هؤلاء المتذمرين على هذين السببين الاستغفار ثم التوبة إليه, فإن من جمال هذا العلم في هذا الهيكل أن يؤتى صاحب الفضل فضله لا غير فضل فتعلم أن الكون مبني من حولك على ما أنت عليه, ولا يأتيك إلا منك وأنك إذا عرفت أنه أتاك ما ليس منك تيقنت أن العاطي تعالى زادك من فضله على فضلك فليس لأحد غيره حقيقة التفضل عليك  بما هو ليس منك وبذلك فليفرح المؤمنون .

وفي هذا العلم أيضاً أنه لا استثناء لصاحب فضل في عود الفضل عليه إذا حقق السببين .

وفي هذا الهيكل أيضاً علم العبادة الحاضرة وفيه تعرف أن هذين السببين المذكورين في علم الإمتاع وعلم إيتاء ذوي الفضل فضلهم لا يمكن أن يكونا إلا بوجود العبادة الحاضرة للهوية الظاهرة , وفيه أيضاً منع عبادة غير الله بالعبادة الحاضرة للهوية الظاهرة .

وإن من علوم هذا الهيكل أيضاً علم التولي عن العبادة الحاضرة  فإذا علمته وجدت إسماً يُعبر عن وصف نادر لليوم الآخر, وفي هذا العلم تتجلى لك الهوية فيحصل عندك معرفة بأن كل من تولى عن العبادة الحاضرة لله تعالى ولم يحقق السببين دخل في خوف نبينا سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ) عليه من عذاب الآخرة, وأن اليوم الآخر في حق هؤلاء المتولين إنما يوصف بالكبر فتجده عليهم يوماً كبيراً, وشتان بين من يرى يوم الدين اليوم الآخر وبين من يراه اليوم الكبير, فإن اليوم الآخر إنما يؤذّن بنهاية الزمن وأن الحاصل فيه إنما هو النهايات, وأما من يكون يوم الدين في حقه يوماً كبيراً فإنه يؤذّن بتحقر المتولي المُعرض إلى ما لا نهاية من التحقير والصغر فإن الصغير عكس الكبير ويجد كل ما في يوم الدين من مظاهر وتجليات إنما هو كبير عليه في عذابه على توليه واعراضه, ولعل من أبرز ما شاهدت في هذا الهيكل في وصف هذا اليوم الكبير أن الكبيرَالمخلوق فيه مكسور, أعاذنا الله من هول ذلك اليوم .

وفي هذا الهيكل أيضاً علم الإنذار والتبشير المحمديين ومن أي حضرة هذا العلم وارتباطه بعلم العبادة الحاضرة للهوية الظاهرة, وأنه متوجه على كل الناس فإذا عاينت هذا العلم من هذا الهيكل علمت أن الإنذار إنما كان من الهوية والتبشير أيضاً إنما هو من الهوية, وتعلم أن الاسم الذي خرج منه هذا العلم إنما هو من اسمه الخبير الذي فصّل ما في الاسم الحكيم وأن هذا العلم من علوم التفصيل في هذا الهيكل .

أن من علوم هذا الهيكل أيضاً وهو العلم السادس الذي اعرفكم عليه هنا :  علم المرجعية إلى الله تعالى وفيه قدرة القادر سبحانه وتعالى على إرجاع الكل إليه, فهو على كل شيء قدير .

أن في هذا الهيكل أيضاً, علم الإحكام, فإذا عاينته عرفت أن الإحكام في هذا الهيكل إنما يقع على التفصيل, فالإحكام عالمٌ تفصيليٌ وهذا العلم من علوم بوابة هذا الهيكل التي جمعت بين علوم اللَّغز وعلوم الإجمال وعلم الإحكام هذا وعلم تفصيل الحكمة وعلم تفصيل خبرة الحكمة وفيها من علم التعقيب وهنا تعقيب التفصيل بعد الإجمال وفي البوابة أيضاً من علم التبعيض في اللدنية وفيها من علم اللدنيات أسرار من : علم اللدن الحكيمي ومن علم لدن الخبرة الحكيمية .

أن في هذا الهيكل أيضا ,علم تراتيب الأسماء الإلهية :

علم فاعلية حكمة فاعلية الخبرة .

وعلم إنفعالية حكمة فاعلية الخبرة .

وعلم فاعلية حكمة إنفعالية الخبرة .

وعلم إنفعالية إنفعالية الخبرة .

ولعل من أغرب ما في هذه البوابة من هذه العلوم هو علم مشاهدة اللدنية . وعلم مشاهدة خواص التعقيب, ففي غرابة الأول أن اللدنيات باطنة ولكنها في هذه البوابة تصبح ظاهرة لمن رزقه الحكيم الخبير قوة التفصيل في المجمل, وأما من غرابة الثاني فهو أن من خاصية حروف معينة إلزام كلمات هائلة القدرة والعظمة على أن تكون عاقبة لما يسبقها, كل تلك العلوم من بوابة هذا الهيكل .

ولعل الجدير بالتنبيه هنا أن فرق ما بين بوابة هذا الهيكل وبوابة هيكل الوجدان والوهب في الإجمال والتفصيل أن الإجمال والتفصيل في هيكل الوهب والوجدان إنما هو إنزال كوني فيه التفصيل للتعليل بينما الإجمال والتفصيل هنا في هذا الهيكل إنما هو إحكام التفصيل الذاتي, التفصيل فيه لحقيقة الهوية بينما في هيكل الوهب والإجمال تفصيله لمظاهر هذه الهوية, فتنبه لذلك فإن الكثير من عباد الله تعالى لم يرزقوا التفطن لمثل هذه الأسرار . ولا يرزقها إلا لأحباؤه . فتنبه ترشد .

ومن علوم هذا الهيكل أيضاً العلم بالخفايا ومنها العلم بذات الصدور والعلم بالاسرار ( مِن سر في سريرته ) والعلم بالإعلان ( مِن أعلن ما في نيته ) والعلم بما يستخفي منه الذين يثنون صدورهم والعلم بما يستغشون ثيابهم وأن هذا الأخير داخل تحت رق الزمان وذلك في المدرج الخامس من مدارج هذا الهيكل ومن عاينه  من الأولياء  يعلم طلاقة العلم الإلهي في وصوله إلى أدق المعلومات خلافاً للمعتزلة الذين قالوا : أن الله لايعلم تفاصيل الأشياء والعياذ بالله . وعند هذا المدرج علمتُ خطأ المعتزلة حين قالوا : أن الله تعالى لا يعلم الأمور الصغيرة التافهة وأنه منزه عنها . ففي هذا المدرج وضوح تام لطلاقة العلم الإلهي فعلاً وإنفعالاً, لا إله إلا هو حقاً حقاً إنه بكل شيء عليم .

واعلم يا أخي في الله تعالى إني لما عاينت هذا المدرج وجدت فيه من علوم الخفاء ما يتعلق بذاتية الإنسان وأفعاله وأقواله ونواياه وليس في هذا المدرج من علوم الخفاء الخاصة بالأكوان علمه بنملة تحت صخرة وما شابه ذلك, فهذا ومثله يعلمه سبحانه وتعالى من علم آخر وسر آخر .

واعلم ياولي في الله تعالى أن الله الذي لا إله إلا هو عرّفني عند معاينتي لهذا المدرج الخامس من هذا الهيكل أن هذا المدرج هو خاتَم البحر الحادي عشر من البحور الجامعة للهياكل فانظر رحمك الله تعالى عظمة البديع سبحانه في ختام البحر الحادي عشر كيف أنه مناسب لعدد اسمه “هو” وكيف أنه واقع في هيكل الهوية الذاتية أصلاً وكيف أن عدد المدرج هو الخامس وتعلم ما في الخمسة من مُشاكَلة مع حرف الهاء الذي هو رمز الهوية الحافظة لنفسها والتي تحفظ غيرها .

واعلم حققنا الله تعالى وإياكم بعلوم هذا الهيكل أني عندما وقفت في مقام مرج البحرين يلتقيان وقمت في حقيقة بينهما برزخ لا يبغيان نظرت إلى البحر السابق فوجدته البحر الحادي عشر على عدد الهوية وقد جاور بمعرفة الهوية حقيقتي البرزخية وعندما نظرت إلى البحر المجاور اللاحق وهو البحر الثاني عشر من بحور هيكل الهياكل والذي مفتتحه في هيكل الهوية هذا فإذا به يبدأ بكتاب مبين والجميل بالذكر هنا أنه في المدرج السادس من هذا الهيكل فإذا بي أنظر إلى البحرين متحققاً ببرزخيتي فإذا بالخمسة سابقة والستة لاحقة فعلمت في ذاك الوقوف أني بين هاء و واو  فيه علم الإبانة وأن الهوية اكتنفت مَظهرها ففي الهاء بطنت فيه وفي الواو ظهرت عليه عرفتُ حقيقة ألا كل ما خلا الله باطل وشهدت السر الذي منه قال حبيبي المصطفى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : أنه شاب عند معاينة سور بعينها من القرآن الكريم .

فمن علوم هذا الهيكل في مدرجه السادس من هذا البحر علم أرزاق دواب الأرض وفي هذا العلم عاينت الضمان الإلهي في عالم الأرزاق لكل دابة على الأرض, فسررت بذلك سروراً عظيماً لما فيه من التطمينات الإلهية للحضرات الإنسانية بضمان رزق كل من يدب على الأرض ولا شك أن النوع البشري ممن يدب على هذه الأرض .

يتبع إن شاء الله تعالى ….

( صدر عن مكتب سماحة علامة الديار الشامية الشيخ د.هانيبال يوسف حرب )