أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا

إنك تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهلا

لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك

رحمتك نرجو إنك أنت الفتاح العليم

سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب

 

{ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً

مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ

وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } الأعراف168

{ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } فاطر10

 في الحقيقة كل إنسان قلبه لوح محفوظ (تحفظ معلوماته في أرشيف معلومات السماء الثانية) تكتب عليه أقداره بأقواله وأفعاله :

{ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } الزخرف80

{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } النور24

وما قلب الإنسان إلا جوهره الفرد البسيط الذي شمله يقلب الأعمال والأقوال من عالم الظاهر إلى عالم الباطن الذي حوى اللوح المحفوظ وبالعكس أي من عالم الباطن إلى الظاهر ( وفيك انطوى العالم الأكبر ) …

فما تفعله الجوارح يتحول فعلها إلى معلومات تحفظ في كتاب الأقدار المرقوم..

وما تقوله الألسن يتحول لفظها إلى معلومات تحفظ في كتاب الأقدار المرقوم ..

وترجمة هذه الأقوال وهذه الأفعال إلى أرشيف كوني يتم بواسطة أنوار خاصة ملائكية ملازمة للكائن الإنساني تدعى ( الرسل ) من فعل (الإرسال) (نسلّم عليها في ختام صلاتنا) …

{إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ }ق17

إذ ترسل الأقوال والأفعال إلى كتاب الأقدار …

((الغلف))

ترسخ الأقوال والأفعال الخبيثة على قلب الكائن فتدخل القلوب في طور الغلف الحاجب للأنوار القدسية وهو من خاصة الطبع والختم …

{وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} {بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا }النساء155 {خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ }البقرة7

 ((الغشاوة))

تصبح حواس البشر بلا أذواق فتدعى غشاوة …

{وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ} البقرة7

 ((الران))

الغلف والغشاوة تنتج الران: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ } المطففين14

 ((تحجّر القلوب))

يتطور ويتراكم الران حتى يتحول إلى طبيعة صلبة …

{ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } البقرة74

{قُل كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } الإسراء50

{كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ} المنافقون4

فوصفت قلوبهم كأنها خشب أو حجارة أو حديد …

فيثقل الكائن الإنساني على أرضه والإنسان أصلاً من عوالم الثقل كما شرحنا ذلك في علم الثقل …

{سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ } الرحمن31

 ((الطاقات السلبية))

تكتـنـــز الطاقات السلبية في الكائن الإنساني ويمكن تفريغها بطاقات دنيوية

( موصوفة في الأخلاق العليا بالسلبية أصلاً كاللهو والزنى والمنكر ) …

فتبقى الموبقات في دنيا الحال ولا يصل إلى الألوهية شيء منها من قوله تعالى:

{لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ } محمد32

{وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } إبراهيم26

فالذات الإلهية منـزهة عن الخبث.

قال تعالى : ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ {39}

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ – مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ _ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا

وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ {40}

 سجّين الطاقات السلبية

تكتب هذه الأفعال وهذه الأقوال الخبيثة – بلغة الجهات – في النصف الأيسر ( الشمال ) من قلب الكائن الإنساني (كتاب الأقدار المرقوم ) فيدعى ذلك الكتاب (سِجِّينٍ)

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ{7}َومَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ{8} كِتَابٌ مَّرْقُومٌ {9} المطففين

 أمّا ((الطاقات الإيجابية))

هي بالأصل حالة نفي للطاقات السلبية ( من أفعال وأقوال خبيثة ) والعودة إلى الفطرة …

{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ } الروم30

فالليل أصله ضياء {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } يس37

فالإنسان بالأصل طاقة إيجابية ويلبس الكائن … ليل سكينته وأنواره … فإذا اشتعلت فيه شمس الشهوة وحرارة الهرج والمرج … يظلم قلبه … وتتلاشى زينة سماءه ونور قمره “بيت العزة منزل القرآن” …

فالطاقة الإيجابية نور الذات الشاعل فيها … قبس من نور رب السماوات والأرض ” يكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ“{35} النور

فالطاقة الإيجابية هي نور الله القائمين فيه …

{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء } إبراهيم24

فأنت بطاقاتك الإيجابية جذور أنوارك في الأرض تشع إلى سماء الروح حتى تتلاشى كمعلومة كونية في ذات الله … لتشهده في عوالم الباطن وعوالم الظاهر …

{ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ } الأنبياء94

تكتب هذه الأفعال وهذه الأقوال الصالحة – بلغة الجهات – في النصف الأيمن من قلب الكائن الإنساني (كتاب الأقدار المرقوم ) فيدعى ذلك الكتاب (عِلِّيِّينَ) …

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ{18} وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ{19} كِتَابٌ مَّرْقُومٌ{20} يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ{21}

وتفريغ الطاقات السلبية في الكائن الإنساني المتحقق بإيجابية طاقة الأنوار يكون بالذكر والصلاة

والصلاح بالأقوال والأفعال {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ} هود114

أي إنّ الطاقات الإيجابية حين ترتسم على لوح القلب … تتلاشى سلبية الظلمة … بأنوار الرحمة والمغفرة فلا يبقى من ظلمة القلب شيئاً {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } الأنبياء18

نتيجة الأمر

أن الطاقات السلبية قرارها الدنيا تبقى في ثقلها حيث هي … فلا تصعد إلى الملكوت

وقد جعل الله الدنيا دار فناءً إذ يتجلى الله عليها باسمه تعالى المميت … فكل شيء في الدنيا لحظة ولادته … يدخل دائرة الفناء …

{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } الرحمن26 {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } الرحمن27

أمّا الطاقات الإيجابية قرارها الحياة والخلود والبقاء لأنها تحقق في ذات الله السبّوح القدوس

فالطاقات الإيجابية قرارها عند الله { وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } البقرة110

فأعمالنا الصالحة أنوار تصعد إلى الله …

وأعمالنا الطالحة ظلمات تبقى في سجن الدنيا …

 {مْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } الشورى24

فتبقى أعمالنا الصالحة أنوار ملونة بألوان الحق في كتاب عليين …

وتموت أعمالنا الطالحة في ظلمات كتاب سجين …

{ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } فاطر10

نلاحظ في الآية الكريمة كيف أن العمل الصالح والكلام الطيب هي معارج في سماء الروح …

ولكن العمل الصالح تحديداً به يتحقق رفع الصالحين درجات ومقامات …

{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } المجادلة11

أما أهل الظلمات فمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ

فلا طاقات لديهم يوم يبعثون ولا يحتملون وجود الطاقة العظمى بإطلاق أنوار الله عز وجل فلا ينظر إليهم ولا يكلمهم يَوْمَ التَّلَاقِ …

{ أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } آل عمران77

 وأخيراً نخلص إلى قوله تعالى :

{ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } الأعراف8

يوم يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (الزلزلة6)

فالوزن يومئذ الحق … أمّا الحق فهو الصالح من أعمال العباد وأقوالهم …

( فميزان الحساب يزن الحق فقط )

لأن الأعمال الصالحة بالأصل تصعد عند الله تعالى أناء دورة الفلك الدنيوي الأرضي حسب قوله تعالى { وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ } البقرة110

فمن ليس لديه حقوق ترفع أناء تواجده الدنيوي فليس له رصيد يوم الحساب عند الله تعالى

لأن الوزن يومئذ الحقوق وليس العقوق …

فالحقوق تكون رصيد العباد بالرفع إلى عند الله تعالى …

والعقوق يكون نصيب العباد بالوضع في ذواتهم المظلمة التي تغدو عذابهم يوم البعث …

{لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ

وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً

فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } الأنفال37

{فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } الأنعام125

 

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل