بسم الله الرحمن الرحيم

و الحمد لله رب العالمين مالك الملك ذو الجلال و الإكرام .. تقدّست أسماؤه و علت صفات ذاته .. سبحانه ليس كمثله شيء .. و الصلاة و السلام على رسولنا الأمين .. محمد الرحمة المهداة إلى العالمين .. و على آله و صحبه أجمعين و ورثته و من تبعه من المحسنين .

يتفاجأ البعض عندما يسمعون أن من صفات الله تعالى أنه يرى و يسمع و يحب و يكره و يضحك أو أن من صفاته أن له وجه أو يد أو ساق … فهل أنتم أيضاً كذلك ؟!

و ليست المشكلة هنا في عنصر المفاجأة إلا أنها في إنكار تلك الصفات لله تعالى من قِبَل هؤلاء الأشخاص و رفضهم ذلك الكلام حتى بعد سماع الأدلة الشرعية الواردة في القرآن الكريم و السنة المطهرة , بل و اتهامهم لمَن أشار إليها بالكفر الصريح .

و نورد فيما يلي بعضاً من الأدلة الكثيرة الواردة في القرآن و السنة و التي تثبت تلك الصفات لله تعالى :

إثبات السمع و البصر و الرؤية لله تعالى :

قال تعالى : { قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } المجادلة1

{ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } غافر20

{ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى } العلق14

{ وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } التوبة105

و لا يخفى على أحد الأحاديث الواردة في أن ( السميع و البصير ) هي من أسماء الله تعالى الحسنى .. و هناك العديد من الأسماء الأخرى (غير الأسماء الحسنى ) التي يوصف بها الله تعالى ( كالرقيب و المتكلم و المريد و الحبيب و الودود .. الخ ) .

إثبات الحب و الكره و الضحك لله تعالى :

{ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ } البقرة222

{ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } آل عمران148

{ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ } الصف4

{ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ } التوبة46

عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة : يقاتل هذا في سبيل الله ، فيُقتل ، ثم يتوب الله على القاتل ، فيستشهد ” أخرجه البخاري .

و أخرج البخاري في صحيحه كذلك حديثاً طويلاً تضمّن ذكر صفة الضحك لله تعالى كما يلي : ” … فيقول : يا رب أدخلني الجنة ، فيقول الله : ويحك يا ابن آدم ، ما أغدرك ، أليس قد أعطيت العهود والميثاق ، أن لا تسأل غير الذي أعطيت ؟ فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فيضحك الله عز وجل منه ، ثم يأذن له في دخول الجنة … ) , و كذلك ذكر مسلم في صحيحه نفس الحديث بصيغة و سند قريب .

إثبات الوجه و اليد و الساق لله تعالى :

{ وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } البقرة115

{ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } الرحمن27

{ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } الفتح10

{ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ … } المائدة64

{ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } الحديد29

{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ } القلم42

جاء في التفسير الميسر للآية السابقة : ( يوم القيامة يشتد الأمر ويصعب هوله, ويأتي الله تعالى لفصل القضاء بين الخلائق، فيكشف عن ساقه الكريمة التي لا يشبهها شيء, قال صلى الله عليه وسلم: “يكشف ربنا عن ساقه, فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة, ويبقى مَن كان يسجد في الدنيا؛ رياء وسمعة, فيذهب ليسجد, فيعود ظهره طبقًا واحدًا” رواه البخاري ومسلم ) .

قال السيوطي ـ رحمه الله ـ في الدر المثور : ” أخرج ابن مندة في الرد على الجهمية‎ ‎عن ‏أبي هريرة قال : قال الرسول صلى الله عليه و آله و سلم يوم يكشف عن ساق قال ‏يكشف‎ ‎الله عز وجل عن ساقه “.‎‏

ومن المهم التنبيه إلى أننا لسنا نذكر هذه الصفات لله تعالى بهدف التمثيل أو التكييف لا سمح الله – التمثيل:أن يقول الإنسان بقلبه أو لسانه أن صفات الله تعالى تماثل صفات المخلوقين , و التكييف: أن يقول الانسان بقلبه أو لسانه بكيفية صفات الله تعالى – فإن الله جل جلاله ليس كمثله شيء – قال تعالى : {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ }الشورى11- فإذا قلنا على سبيل المثال أن الملائكة ترى والجن يرون كما هو الإنسان يرى , فنحن أثبتنا صفة الرؤية للجميع إلا أننا لم نقل بأن رؤيتهم جميعاً متماثلة بل لكل نوع منهم رؤية بكيفية معينة و مدى حدود خاص قد يختلف عن الآخرين – جاء في حلية الأولياء :”.. قلنا : يا رسول الله ، فمن يدخل قبرك ؟ قال : رجال أهل بيتي مع ملائكة كثيرة يرونكم من حيث لا ترونهم .. ” – في حين أن قدرة الله تعالى مطلقة كما هو علمه مطلق و سائر صفاته الأخرى التي تليق به جل جلاله فسبحانه تعالى ليس يماثله شيء .

و إننا لا نقول بكيفية صفاته تعالى أو نتحدث في كنها كاليد أو الساق مثلاً بغير علم أو دليل – ذلك أن الرحمن العليم القادر على كل شيء قد يُعلّم من خاصة أولياؤه و عارفيه على اختلاف درجاتهم ما شاء تعالى لهم أن يعلموا من خصوص ذاك الأمر – و نقف هنا عند حدود الأدب فلا نصفه تعالى إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه , نثبت له ما أثبته لنفسه أو أثبته له نبيه و ننفي عنه ما نفاه تعالى عن نفسه أو نفاه عنه نبيه ، أما أن ننفي و ننكر من صفاته تعالى ما وصف به نفسه بكلامه الواضح في قرآنه فهذا كفر و خروج عن عقيدة أهل السنة و الجماعة .

قال‎ ‎شيخ الإسلام ابن تيمية : “ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن يوصف الله بما وصف به نفسه ،‎ ‎وبما ‏وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تكييف‎ ‎ولا تمثيل ؛ ‏فلا يجوز نفي صفات الله التي وصف بها نفسه، ولا يجوز تمثيلها بصفات‎ ‎المخلوقين، بل هو ‏سبحانه: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ‎ ” مجموع الفتاوى (5/195‏‎ ).

أما التفسير المجازي للآيات الذي يحتج به هنا أغلب المُنكرين لتلك الصفات – (كأن يقولوا أن اليد جاءت لإثبات معنى مجازي فقط هو القوة مثلاً , أو الساق لإثبات معنى مجازي فقط هو الشدة مثلاً) – فليس ذلك بإثبات لنفي الصفة عن الله تعالى بالمعنى الآخر الذي ذكرنا لأن لغتنا العربية غنية المعاني متعددة الإشارات للكلمة أو العبارة الواحدة فحمل الكلمة لمعنى ما قد لا ينفي بالضرورة إمكانية إشارتها لمعنى آخر بذات الوقت , كما أن الله تعالى العليم الذي علمه لا يُحَد قد جمع في دستور وجوده (القرآن الكريم) حقائق الوجود جميعها من الأزل إلى الأبد , و قد اعترف كثير من علماء العصر الحديث و مَن قبلهم على مر السنين باحتواء القرآن و ذكره لإعجازات هائلة و حقائق علمية دقيقة مذهلة سواء مسبوقة الكشف والتفسير أو غير مسبوقة , فكيف بصفات لله تعالى أثبتها في قرآنه بذكر واضح صريح كالشمس و أيدتها أحاديث نبوية عديدة – ألم يقل تعالى قي قرآنه الكريم (ومَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) ؟! . فليس المَجاز هنا بعذر بل العذر هو في معرفة الناس المحدودة و قصور فهمهم بعقلهم المقيد أمام علم الله تعالى المطلق فتحتج عقولهم الإنسانية بالمجاز فالنكران أمام ما تجهل من حقائق .

قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى : ” أهل السنة مجتمعون‎ ‎على الإقرار بالصفات الواردة كلها في ‏القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على‎ ‎الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ‏وأما أهل البدع من‎ ‎الجهمية والمعتزلة والخوارج فينكرونها ولا يحملونها على الحقيقة ويزعمون أن ‏من أقر‎ ‎بها مشبه، وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به‏‎ ‎الكتاب ‏والسنة وهم أئمة الجماعة” التمهيد لابن عبد البر (7/145) . ‏

يقول فضيلة العلاَّمة الدمشقي الشيخ د. هانيبال يوسف حرب حفظه الله تعالى – مفصلاً في حديثه عن اعتقاده بصفات الله تعالى تبعاً لعقيدة أهل السنة و الجماعة التي يؤمن بها – : “.. لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا و لا متوهمين بأهوائنا فإنه ما سلم في دينه إلا من سلّم لله تعالى و لرسوله (صلى الله عليه و سلم) و رد ما اشتبه عليه إلى علمه …

فاعتقادنا بلا إفراط و لا تفريط الوسط بين التشبيه و التنزيه بين التجسيم و التعطيل فإن ربنا جل و علا موصوف بصفات الوحدانية منعوت بنعوت الفردانيّة ليس بمعناه أحد من البريّة تعالى الله عن الحدود و الغايات و الأركان و الأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات ” .

و نختم بقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : ” لله أسماء وصفات لا يسع أحد جهلها، فمن خالف‎ ‎بعد ثبوت الحجة عليه كفر ، وأما ‏قبل قيام الحجة فيعذر بالجهل” مناقب‎ ‎الشافعي للبيهقي (1/412) .‏

 

جعلنا الله تعالى من المؤمنين المحسنين .. العارفين بأسمائه .. الموقنين بكمال و قدسية صفات ذاته ..

و رزقنا المزيد من بحور علمه المطلق .