” عدد خاص “
تكريماً لسعادة سفيرة إتحاد البرمجة الحرفية الكونية الروحية الدكتورة نور ميري حفظها الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا و حبيبنا محمد أعدل البشر و الرحمة المهداة إلى العالمين و على آله و صحبه أجمعين .

 إذا عدنا إلى تاريخنا الإسلامي فسنجد أن السجون وفقاً للشرع الحنيف لم تكن تحوي أو تُجيز أياً من الممارسات اللاأخلاقية اللاإنسانية الظالمة التي نراها في سجون العالم حولنا اليوم :

كالسجن بظروف لاإنسانية تعارض الطبيعة البشرية و حاجاتها الجسمانية أو النفسية أو الصحية .

كالتفنن في أساليب التعذيب الوحشية بمختلف الطرق و شتى الوسائل المعروفة و غير المعروفة .

كالترهيب اللاأخلاقي بما فيه من ألفاظ سب و شتم بفحش و الذي قد يصل إلى حد تهديد أو تخيير المسجون بين الحياة ( حياته أو حياة أقربائه أو العزيزين عليه ) أو الإقرار على نفسه بجرم هو منه براء .

… و ما إلى غير ذلك من الأمور التي جعلت مفهوم السجن يخرج عن وظيفته الطبيعية وعن الهدف الأساسي المعد له و يتحول إلى أداة للظلم و الانتقام و وسيلة لتحقيق المآرب الشخصية أو المصالح الخاصة تحت ستار القانون – و كأننا عدنا إلى العصور القديمة أو الحجرية و نسينا كل مفاهيم التحضّر و حوّلنا كل الشعارات التي يرفعها انسان العصر الحديث من ديمقراطية و فكر تحرري و حوار بنّاء و احترام لحقوق و كرامة الإنسان إلى مجرد زيف و خزعبلات !!! .

السجون في التاريخ الإسلامي :

في العهد النبوي : لم يكن هناك مكان مخصص للسجن و إنما كان يتم حبس الفرد في بيت أو خيمة أو مسجد أو يتم ربطه لجذع شجرة أو عمود أو حتى يكفي بأن يلازمه شخص ما بهدف تعويقه ومنعه من التصرف بنفسه , و لم يُشتَرط وجود مكان مخصص للسجن ما دام الهدف المرجو من الحبس قد تحقق .

و قد كانت الخيام التي تعد لحبس أسرى الحروب تتمتع بقدر من التهوية والإضاءة الجيدة و رؤية الناس للحفاظ على صحة الأسرى النفسية و الجسمية .

و كانت البيوت التي يُحبَس فيها المساجين تتصف بالاتساع و النظافة و توفر المرافق الأخرى الضرورية للإنسان .

كان النبي صلى الله عليه وآله و سلم يوصي بالأسرى خيراً , و أمر يوم بدر بإعطاء أسير قميصاً ليكسو جسمه .. ( فتح الباري ) .

وقال في أسرى يهود بني قريظة : أبعدوهم عن حر الشمس واسقوهم وأحسنوا إسارهم، وأمر بأن تحمل لهم أكياس التمر ليأكلوا منها ..(السير الكبير للشيباني 2-591 وإمتاع الأسماع للمقريزي 1-248) .

و قد روى الشيخـان وغيرهما: أن خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسكت برجل من نجـد، فأتي به إلى المسجد وربط في سارية من سواريه ، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم المسجد ورآه، قال لأصحابه : أعرفتم من هذا؟ إنه ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة ، أحسنوا إساره، فكان يقدم له الطعام ويؤتى له بناقة رسـول الله صلى الله عليه وسلم ليشـرب من لبنها، وظـل كذلك ثلاثة أيام، والنبي صلى الله عليه وسلم يمـر به ويكلمه ويحاوره، ثم أطلق سراحه، فعمـد ثمامة إلى حديقة قـرب المسجد فاغتسل ثم أعـلن إسلامه ..) فتح الباري لابن حجر 8-87 والبداية والنهاية لابن كثير 5-4) .

فلاحظ كيف أن رسولنا العظيم لم يقم بإهانة المحبوسين أو إهمالهم أو تعذيبهم بل على العكس قام بإكرامهم و أمر بمداراتهم .. بل قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر بحبس ثمامة في المسجد كان ذلك ليعرّفه على نظام المسلمين العام وعباداتهم وأخلاقهم الاجتماعية ، وبخاصة أن ثمامة زعيم في قومه ففي إسلامه كسب كبير للمسلمين، و كانت النتيجة أن ثمامة بعد ثلاثة أيام أسلم وأعلن ولاءه لله ولرسوله .. فانظر إلى مقدار حكمة و رحمة نبينا الكريم عليه الصلاة و السلام و الآل .

في عهد الخلفاء الراشدين الأربعة : أما عندما كثر عدد الناس و ازدادت الجرائم و المخالفات في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فعندها ابتاع سيدنا عمر داراً في مكة و خصصها للحبس , ثم قام سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه في عهده ببناء أول سجن في الإسلام في الكوفة .

وقد ورد أن سيدنا علي رضي الله عنه كان يُخرج أهل السجون ( مَن حُبس في دَين أو تهمة ) إلى صلاة الجمعة فيشهدونها و يضمنهم الأولياء حتى يردوهم .

و على الرغم من أن الإسلام كان أول من فرّق في السجون بين سجناء مدنيين و سجناء عسكريين إلا أن حقوق السجناء و كرامتهم كانت في جميع الحالات تُحفظ و تراعى بعناية , فالهدف من السجن في الشرع الإسلامي ليس فقط تأديب العصاة و تهذيبهم بل أيضاً إصلاحهم بدعوتهم إلى القيم الأخلاقية و إرشادهم إلى طريق الخير والحق ليخرجوا إلى مجتمعهم أفراداً فعاليين مسالمين – لا مجرمين خبراء محترفين أو أناساً مقهورين نفسياً أو جسدياً كما هو الحال في العصر الحديث .

كما حفظ الشرع الإسلامي للمسجون الكثير من الحقوق غير المأكل و المشرب المناسب مثل : ممارسة شعائره الدينية , مداواته اذا مرض و معالجته أخلاقياً و تربوياً , اتصاله بأهله و أصدقائه و زيارتهم له , الحفاظ على صحته النفسية , قراءة الكتب , مكافأته مكافأة عادلة اذا قام بأعمال يدوية أو علمية كالتدريس مثلا أو ما شابه .. و غير ذلك .

و على إدارة السجن و الهيئات المرتبطة بها – كالقاضي مثلاُ – متابعة أحوال المسجون وحفظ سلامته و بذل الجهد لمحاولة إعداده ليحيا حياة طبيعية عند خروجه من السجن ( كتعليمه مهنة تناسبه مثلاً يكسب بها رزقه بطريقة شريفة و مشروعة ) و بذلك يتم تأهيله ليعود إلى حياته انساناً سوياً أفضل مما كان .

قال تعالى : { إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } النحل90 .

و قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ” إن الله كتب الإحسان على كل شيء ” .صحيح مسلم .

فالتعذيب محرَم شرعاً في ديننا الإسلامي لأنه دين سلام .. ينادي بحريات الأفراد و احترامهم و حفظ حقوقهم و كرامتهم .

قال فضيلة العلَّامة الدمشقي المفكر الإسلامي د.هانيبال يوسف حرب في حديثه عن حرمة التعذيب :

” السلام مطلوب و سلامة الإنسان مطلوبة و التعذيب مرفوض في فكرنا الإسلامي نهائياً …

(هذا السلام يجب أن يكون ) من باب ربوبية الرحمة و ليس من باب ربوبية القهر و الانتقام …

نعوذ بالله من ممارسات التعذيب و نعوذ بالله ألا يجعلنا سبباً في تعذيب أي كائن على هذه الأرض , اللهم نسألك الإحسان , نسألك أن نكون من أهل السلام , و من أهل السلام الذي هو قولاً من رب رحيم ” … آمين .