بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا محمد شعلة الباحثين عن الحق في ظلماء الوجود , هادي الناس إلى رب العالمين وآله وصحبه وسلم

 

ها قد مر شهر رمضان بصيام نهاره وقيام ليله , وانتهت عبادة فجاء العطاء بالعيد والثواب , ولكن هل استفدنا من رمضان هذا العام كما يجب ؟ لنعرف الجواب على هذا السؤال دعونا نجيب بعبارات عملية وليس بكلام إنشائي كل لوحده على السؤال التالي : ما الذي تغير في عبوديتي مع الله تعالى بعد رمضان ؟

إن شهر رمضان فرصة لشحن الهمم واستقبال أمطار الإمداد الرباني لإحداث تغير في عاداتنا العباديّة مع الحق سبحانه وتعالى , فنراجع ما حفظنا من القرآن أو نحفظ شيء جديد من القرآن الكريم , أو نزيد من نوافلنا , أو نتعلم علماً شرعيا أو علما تشريفيا …. , ولكن التغيير لا يعتبر تغييراً إلا إذا استمرت نتائجه , لهذا سأطلعكم اليوم على سر من الأسرار التي تسمح لصاحبها أن يحافظ على عبادة هي من أشرف العبادات والتي يؤديها الكثير في رمضان ثم يتركونها وهي عبادة قيام الليل .

لن أتكلم عن فضل هذه العبادة فهذا من الأمور المعروفة والمفصّلة بشكل كافي ولكني سأشارككم سراً من أسرار الإمام الشعراني رحمه الله تعالى والذي أخذه عن غيره من الأولياء والصالحين للاستمرار في عبادة قيام الليل .

قال رحمه الله تعالى وهو يتحدث عن همة زوجته العاليّة في قيام الليل :

(( … وما رأت عيني من نساء عصري أكثر مواظبة على قيام الليل من زوجتي أم عبد الرحمن , فربما صلّت خلفي وهي حبلى على وجه الولادة بنصف القرءان …. )).

وقال رحمه الله تعالى :

(( … وقد صلى خلفي مرة سلامة السندبصطى , فقرأت به من أول سورة البقرة إلى سورة المزمل في الركعة الأولى …. )) .

حبلى تصلي وراء الإمام في ليلة واحدة بنصف القرءان! , ويصلي الإمام في ركعة واحدة 57 حزب (أي 28 جزء ونصف )! وقد عاش الإمام الشعراني رحمه الله تعالى من عام 1493 م حتى عام 1565 م , بمعنى أن هذا الكلام يعود لـ 447 عام فقط وقد كانت تفصله عن الهجرة النبوية قرابة 900 عام هجري , فهو ليس من الصحابة ولا من التابعين ولكن بعدهم بكثير ورغم ذلك نجد عليه هذا النشاط وهذه القدرة فأين يكمن السر ؟

يقول الشعراني رحمه الله تعالى بأنه أخذ هذا السر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الحديث : (( الزهد في الدنيا يريح القلب والجسد )) , فسره هو الاستعداد لقيام الليل بالزهد في الدنيا وشهواتها وعدم الشبع من حلالها , ولربما أكثر ما يكون المرء على هذا الحال في رمضان حيث يصوم النهار فيزهد عن الشهوات المحللة من الطعام والشراب والنكاح ويتخلص من الشهوات المحرّمة كالكذب والنميمة والسباب والشتيمة فيقوى على قيام الليل , فمفهوم هذا السر هو أن الرغبة في الدنيا تتعب القلب والجسد , فإذا دخل الليل نزل الراغب في الدنيا إلى الأرض محلولة أعضاؤه فنام كالميت , أما الزاهد فينام وأعضاؤه مستريحة فيقوم بسرعة وإذا نام نام كأنه مستيقظ .

وهناك من يتكلف ذلك بلا زهد أو تجده يقوم الليل بالعادة , فهؤلاء في حجاب عن الحق لا يكادون يتلذذون بمناجاة الحق ولا يذوقون لها طعماً لذا يحتاج من يريد العمل بهذا السر إلى شيخ يخرجه عن حب الدنيا شيئا فشيئا حتى لا يبقى له همّ دون الله تعالى ولا عائق يعوقه , فإن الشيخ بحكم معرفته الطريق يزكّي نفس المريد ويرقيه في الأعمال حتى إذا زهد في الأكوان مر به إلى حضرة الله تعالى فأوقفه بين يديه من غير حجاب , فإذا ذاق ما فيه أهل تلك الحضرة زهد في نعيم أهل الدنيا والآخرة فما قدم على الوقوف بين يدي الله تعالى شيئا أبداً , وأما بغير شيخ فلا يعرف أحد كيف يخرج من ورطات الدنيا , ومن رعونات النفس و شراك الشيطان يمنعه من الوصول إلى تلك الحضرة ولو كان من أعلم الناس بالنقول في سائر العلوم .

روى الشيخان و أبو داود والنسائي وابن ماجه مرفوعاً : (( يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد , فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة , فإن توضأ انحلت عقدة , فإن صلى انحلت عقده كلها فاصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان )) .

وتذكر أخي المؤمن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في مكانة قيام الليل عند المؤمن الذي رواه الطبراني مرفوعاً : (( شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس )) .أي عز المؤمن ( أستغناؤه عن الناس .

وقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم في بعض فتوح قيام الليل الذي رواه الطبراني : (( عليكم بقيام الليل فإنه مقربة إلى بكم ومكفرة لسيئاتكم ودأب الصالحين قبلكم ومطردة للداء عن الجسد )) .

وليس قيام الليل بالركع الطويلة أو العديدة , وإنما بالقليل مع المحافظة والمواظبة عليها فقد روى الطبراني : (( عليكم بصلاة الليل ولو ركعة )).

فاغتنم فليست أطلال رمضان ببعيدة وتذكرنا بالدعاء في تهجدك .

 

و الحمد لله رب العالمين