54.3
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على سيدنا محمد إمام الأولياء وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

إن لصحبة الصالحين أثر كبير في صلاح النفوس , والإطلاع على سيَرهم وحياتهم وحكمهم لَهُوَ موعظة وشحذ للهمم حتى نصل إلى المولى عز وجل بقلب سليم , سنتكلم اليوم عن فضيلة الشيخ الجليل داود الطائي .

داود الطائي – 165 للهجرة

داود بن نصير الطائي أبو سليمان, كان كبير الشأن، سمع الحديث، واشتغل بالفقه مدة، ثم اختار العبادة والزهد، فبلغ منهما الغاية .

ورث عن أبيه عشرين ديناراً، فأكلها في عشرين عام، كل عام ديناراً منه يصل ومنه يتصدق .

وكان بدء توبته أنه دخل المقبرة، فسمع امرأة عند قبر تقول :

مقيم إلى أن يبعث الله خلقه     لقاؤك لا يرجى وأنت قريب

نريد تلاقى كل يوم وليلــــة     وتبلى كما تبلى وأنت حبيب

وقيل سبب زهده أنه سمع نائحة تندب وتقول :

بأي خديك تبدى البلى             وأي عينيك إذا سالا

مات بالكوفة سنة خمس – وقيل ست – وستين ومائة، في خلافة المهدي .

من كلامه : “ما أخرج الله تعالى عبداً من ذل المعاصي إلى عز التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، واّنسه بلا بشر “.

ودخل عليه رجل، فقال له : ” ما حاجتك ؟ ” قال : ” زيارتك” ، فقال : ” أما أنت فقد فعلت خيراً حين زرت، ولكن انظر ما ينزل بي أنا، إذا قال لي من أنت لتزار من الزهاد والله، أنت من العباد لا والله، أنت من الصالحين لا والله, ثم أقبل يوبخ نفسه ” : كنت في الشبيبة فاسقاً، ولما شبت صرت مرائياً “.

وقال عبد الله بن إدريس، قلت لداود : ” أوصني “، فقال : ” أقلل من معرفة الناس”، قلت : “زدني” قال : ” ارضَ باليسير من الدنيا عن سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين “… قلت : “زدني” ، قال : ” اجعل الدنيا كيومٍ صمته، ثم أفطر على الموت”.

واحتجم داود، فأعطى الحجّام ديناراً، فقيل له : ” هذا إسراف” ، فقال: ” لا عبادة لمن لا مروءة له”.

ودخل عليه بعض أصحابه، فرأى جرة ماء قد انبسطت عليها الشمس، فقال له :” ألا تحملها إلى الظل” فقال :” حين وضعتها لم يكن شمس، وأنا أستحي من الله أن يراني أمشى لما فيه حظ نفسي”.

وقيل له :” قد رضيت من الدنيا باليسير”، فقال : ” ألا أدلك على من رضي بأقل من ذلك, من رضي بالدنيا كلها عوضاً عن الآخرة”.

ويروى أنه خرج يوماً إلى السوق، فرأى الرطب فاشتهته نفسه، فجاء إلى البائع فقال : “أعطني بدرهم إلى الغد” ،فقال له اذهب إلى عملك, فرآه بعض من يعرفه، فأخرج له صرة فيها مائة درهم، وقال : له اذهب فإن أخذ منك بدرهم رطباً فالمائة لك, فلحقه البائع، وقال له:  “ارجع خذ حاجتك” ، فقال: “لا حاجة لي فيه أنا جربت هذه النفس، فلم أرها تسوى فى هذه الدنيا درهماً، وهى تريد الجنة غداً “.

ودخل عليه رجل، فوجده يأكل ملحاً جريشاً بخبز يابس، فقال له :” كيف يشتهى هذا” قال :” ادعه حتى اشتهيه”.

واشتكى داود أياماً، وكان سبب علته أنه مر بآية فيها ذكر النار، فكررها مراراً في ليلته، فأصبح مريضاً، ووجدوه قد مات، ورأسه على لبنه .

ورآه بعض الصالحين في المنام، فقال له :” الساعة خلصت من السجن” ،فاستيقظ الرجل، وإذا الصياح : “قد مات داود”.

رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته مع الأولياء والصالحين … آمين يارب العالمين .