55.3
بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلِّ على سيدنا محمد إمام الأولياء وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة

إن لصحبة الصالحين أثر كبير في صلاح النفوس , والإطلاع على سيَرهم وحياتهم وحكمهم لَهُوَ موعظة وشحذ للهمم حتى نصل إلى المولى عز وجل بقلب سليم , وسنتحدث اليوم عن الشيخ الجليل أبو بكر الشبلي وبعض من أصحابه … بإذن الله تعالى .

أبو بكر الشبلي 247-334 للهجرة

الشبلي ، نسبة إلى قرية من قرى اسروشنة ، بلدة عظيمة وراء سمرقند ، من بلاد ما وراء النهر .

كنيته أبو بكر ، الخراساني الأصل ، والبغدادي المولد والمنشأ , جليل القدر ، مالكي المذهب عظيم الشأن.

صحب الجنيد وطبقته , ومجاهداته في أول أمره ، متواترة ؛ يقال أنه اكتحل بكذا وكذا من الملح ليعتاد السهر ولا يأخذه النوم.

وكان يبالغ في تعظيم الشرع المكرم ، وإذا دخل رمضان جد في الطاعات ، ويقول : ” هذا شهر عظمه ربي، فأنا أولى بتعظيمه ( من البشر ) “.

مات في ذي الحجة ، سنة أربع وثلاثين وثلثمائة ، عن سبع وثمانين سنة.

ومن كلامه وقد سئل عن حديث ” خير كسب المرء عمل يمينه ” : ” إذا كان الليل فخذ ماء ، وتهيأ للصلاة ، وصلي ما شئت ، ومد يدك ، وسل الله ، فذلك كسب يمينك “.

قال في معنى قوله تعالى : (( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم )) ، قال:  ” أبصار الرؤوس عن المحارم، وأبصار القلوب عما سوى الله عز وجل “.

ولما حج عن التجريد ، ورأى مكة ، وقع مغشياً عليه ، فلما أفاق أنشد :

هذه دراهم وأنت محـب   ما بقاء الدموع في الآماق

وقديماً هدت أفنية الدار   وفيها مصارع العشــــــاق

وكان الشبلي يوماً حاضراً، فوقف عليه شخص ودعا ، والشبلي ينظر إليه ، فأنشأ :

أم الخيام فإنها كخيامهم       وأرى نساء الحي غير نسائها

وحضر مرة فاجتمع الناس إليه ، فسكت فسكتوا ، ثم أنشأ :

كفى حزناً بالواله الصب أن يرى     منازل من يهوى معطلة صفرا

وكان يقول :” ليت شعري ما اسما عندهم يا علّام الغيوب ، وما أنت صانع في ذنوبي يا غفار الذنوب ، وبم يختم عملي يا مقلب القلوب “.

وسئل عن حديث ” إذا رأيتم أهل البلاء فاسألوا الله العافية ” من هم أهل البلاء , قال:” أهل الغفلة عن الله “.

وقال له رجل ادع الله لي فانشأ :

مضى زمن والناس يستشفعون بي     فهل لي إلى الليلى لغداة شفيع

وقيل له أراك جسيماً بدينا ، والمحبة تضني فأنشأ :

احب قلبي وما درى بدني     ولو درى ما أقام في السمن

وكان كثيراً ما ينشد :

ولي فيك يا حسرتي حسرة     تقظي حياتي وما تنقضي

ويروى أنه قال :” كنت يوماً جالساً ، فجرى بخاطري أني بخيل ، فقلت أنا بخيل فقاومني خاطري ، وقال بلى إنك بخيل فقلت مهما فتح لي اليوم ، لأدفعنه إلى أول فقير يلقاني ، قال بينا أنا أتفكر ، إذ دخل علي صاحب لمؤنس الخادم ، ومعه خمسون ديناراً ، فقال اجعل هذه في مصالحك ، فأخذتها وخرجت , وإذا بفقير مكفوف ، بين يدي مزين ، يحلق رأسه ، فتقدمت إليه ، وناولته الصرة ، فقال لي أعطها للمزين , فقلت إنها دنانير ، فقال أو ليس قد قلنا أنك بخيل ، فناولتها للمزين فقال من عاداتنا أن الفقير إذا جلس بين أيدينا لا نأخذ منه أجراً , قال فرميتها في دجلة فقلت : ما أعزك أحد إلا أذله الله “. ( أي خاطب المال )

وقال: ” كنت في قافلة بالشام ، فخرج الأعراب فأخذوها ، وأميرهم جالس يعرضون عليه ، فخرج جراب في لوز وسكر، فأكلوا منه إلا الأمير، فأنه لم يأكل , فقلت له: لمَ لمْ تأكل؟ ، قال: أنا صائم، قلت: تقطع الطرق ، وتأخذ الأموال ، وتقتل النفس ، وأنت صائم , قال: يا شيخ أجعلُ للصلح موضعاً .

فلما كان بعد حين ، رأيته يطوف ، وهو محرم ، كالشن البالي ، فقلت: أنت ذاك الرجل فقال ذلك الصوم بلغ بي إلى هذا “.

و رؤي الشبلي في جامع المدينة قد كثر الناس عليه في الرواق الوسطاني ، وهو يقول: ” رحم الله عبدا ، ورحم والديه دعا لرجل كانت له بضاعة ، وقد فقدها ” , وهو يسأل الله ردها والناس صموت , فخرق الحلقة غلام حدث ، وقال: من هو صاحب البضاعة، قال الشبلي: ” أنا ” , قال فأيش كانت بضاعتك قال ” الصبر ، وقد فقدته , فبكى الناس بكائاً عظيماً “.

وأخر يوماً العصر ، ونظر الشمس وقد نزلت للغروب ، فقال الصلاة يا سادتي وقام فصلى ، وأنشأ يقول مداعباً وهو يضحك ما أحسن من قال:

نسيت اليوم من عشقي صلاتي       فلا أدري عشائي من غدائي

فذكرك سيدي أكلي وشــــــربي       ووجهك أن رأيت شفاء دائي

ورؤي يوماً في عيد خارجاً من المسجد ، وهو يقول :

إذا ما كنت لي عيداً       فما اصنع بالعيــــــــدِ

جرى حبك في قلبي     كجري الماء في العودِ

وروى أنه كان يقول في أخر أيامه :

وكم من موضعاً لو مت فيه       لكنت نكالاً في العشيرة

قال بكير الدينوري : ” وجد الشبلي خفة – في يوم جمعة – من وجع كان به ، فأمر بمضيه إلى الجامع ، فراح إليه متكئاً ، فتلقاه رجل مقبل من الرصتفة ، فقال – الشبلي – سيكون لي غداً مع هذا الشيخ شأن , فصلينا ثم غدونا ، فتناول شيئاً من الغداء ، فلما كان الليل مات , فقيل لي في درب السقايين رجل يغسل الموتى , فدلوني عليه في السحر ، فأتيته فدققت الباب خفيفاً فقلت: سلام عليك ، فقال: مات الشبلي؟ , قلت: نعم , فخرج إلي ، فإذا به الشيخ ، فقلت , لا إله إلا الله , فقال لا إله إلا الله تعجباً ممَ , قلت: قال لي الشبلى أمس – لما وجدناك – غداً يكون لي مع هذا شأن ،بحق معبودك من أين لك أن الشبلي قد مات , قال: يا أبله فمن أين للشبلي أن يكون له معي اليوم شأن”.

وقيل لبكير الدينوري خادمه ما الذي رأيت منه – يعني عند وفاته – فقال: قال علي درهم مظلمة ، قد تصدقت عن صاحبه بألوف ، فما على قلبي شغل أعظم منه ، ثم قال: وضئني للصلاة , ففعلت ، فنسيت تخليل لحيته ، فقد أمسك على لسانه فقبض على يدي وأدخلها فى لحيته ، ثم مات , فهذا رجل لم يفته في آخر عمره أدب من آداب الشريعة “.

أصحابه :

منهم الحسين بن محمد بن موسى الأزدي ، والد أبي عبد الرحمن السلمي .

ومنهم على بن إبراهيم ، أبو الحسن الحصري البغدادي , حكى عنه أنه كان لا يخرج إلا يوم الجمعة ، وكان أحد الموصوفين بالعباده وشدة المجاهدة , وله كلام على الأحوال ، دونه عنه الأعلام ، ومنه:” لا يغرنكم صفاء الأوقات ، فان تحتها آفات ، ولا يغرنكم العطاء فإن العطاء عند أهل الصفاء مقت”.

وكان شيخ بغداد في وقته ، منفرداً بلسان التوحيد ، لا يدانيه فيه أحد ، وكان أوحد زمانه في أحواله ، وحسن المشاهدة , شاهده يدل على صدق حاله ، وسلامة صدره , مات ببغداد سنة أحدى وسبعين وثلثمائة، وقد نيف على الثمانين، ودفن بباب حرب قرب بشر.

وكان ينشد:

أن دهراً يلف شملي       بسلمى لزمان يهم بالإحسان

وقال أبو الحسين الزنجاني , كثيراً ما كنت أسمعه يقول :” عرضوا ولا تصرحوا فان التعريض أستر “.

وينشد:

وأعرض إذا ما جئتنا بحيلــــــة       وعرض ببعض أن ذلك أسـتر

فما زلت في أعمال طرفك نحونا       ولحظك، حتى كاد ما بك يظهر

ومنهم محمد بن أحمد بن حمدون الفراء ، من كبار مشايخ نيسابور، وصحب أيضاَ أبا علي الثقفي ، وغيره , وكان أوحد وقته في طريقته.

قيل له من هم الأبرار قال : ” المتقون “.

ومنهم بندار بن الحسين , ومنهم محمد بن سليمان الصعلوكي الحنفي ، أبو سهل. كان إماما في العلوم ، وأوحد زمانه ، وكان – مع تمام علمه وفضله – مقدم علوم هذه الطائفة ، ويتكلم فيه بأحسن إشارة ، ويحترمهم.

وصحب المرتعش وغيره أيضاً ، وكان حسن السماع طيب الوقت.

قال : ” ما عقدت على شيء قط ، وما كان لي قفل ولا مفتاح ، ولا صررت على دراهم ولا دنانير قط “.

وسئل عن التصوف ، فقال : ” الإعراض عن الأعراض”.

وقال : ” من قال لأستاذه لِمَ لا يفلح أبداً “.

ومنهم نعمان الحديث , لقي الشبلي وغيره ، وكان أحد الزهاد ، صاحب كرامات , دخل على الشبلي ببغداد مختفياً ، فعرفه.

حكت عنه ابنته فاطمة ، قالت قال أبي : ” دخلت على الشبلي ببغداد ، فقال لي تعرف الله قلت نعم , فحملني إلى بيته ، وأمر بآلة الحلاوة ، ونصب الدست ، وأوقد النار ، فلماغلى أدخل يده فيها فحركه ، قال: فمددت يدي إلى الشعلتين التي تقدان تحته ، فأخذتهما واكتحلت بهما، فضرب بيديه إلي ، وقال نعمان ، قلت نعم ” .