بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صلي على سيدنا محمد إمام الأولياء وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

إن لصحبة الصالحين أثر كبير في صلاح النفوس , والإطلاع على سيَرهم وحياتهم وحكمهم لَهُوَ موعظة وشحذ للهمم حتى نصل إلى المولى عز وجل بقلب سليم , ونكمل اليوم مع الشيخ الجليل معروف الكرخي.

 

معروف الكرخي  200 للهجرة :

معروف بن فيروز الكرخي أبو محفوظ، أحد السادات، مجاب الدعوة، أستاذ السَري .

كان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدبهم وهو صبي وكان المؤدب يقول له قل ثالث ثلاثة ، فيقول معروف : ” بل هو الواحد الصمد ” ، فضربه على ذلك ضرباً مفرطاً فهرب منه، فكان أبواه يقولان ليته يرجع إلينا على أي دين كان فنوافقه عليه، فرجع إليهما فدق الباب، فقيل من؟ ، قال معروف، فقالا على أي دين ، قال : ” دين الإسلام ” ؛ فأسلم أبواه.
من كلامه : ” إذا أراد الله بعبد خير فتح له باب العمل، وأغلق عليه باب الفترة والكسل ” .
وكان يعاتب نفسه، ويقول: ” يا مسكين! كم تبكي وتندم، أخلص تخلص “.
وقال له رجل: ” أوصني ” ، فقال: ” توكل على الله، حتى يكون جليسك و أنيسك وموضع شكواك؛ وأكثر ذكر الموت، حتى لا يكون لك جليساً غيره؛ واعلم أن الشفاء لما نزل بك كتمانه؛ وأن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك، ولا يعطونك ولا يمنعونك ”
وقال السري سألت معروفاً عن الطائعين لله، بأي شيء قدروا على الطاعة لله، قال: ” بخروج الدنيا من قلوبهم، ولو كانت في قلوبهم ما صحت لهم سجدة ” .
ومن إنشاداته :

الماء يغسل ما بالثوب من درن   وليس يغسل قلب المذنب الماء

ونزل يوماً إلى دجلة يتوضأ ووضع مصحفه وملحفة فجاءت امرأة فأخذتهما، فتبعها، وقال: أنا معروف، لا بأس عليك، ألك ولد يقرأ القرآن، قالت لا , قال فزوج ، قالت لا ، قال فهاتِ المصحف، وخذي الملحفة “.
وكان قاعداً على دجلة ببغداد إذ مر به أحداث في زورق، يضربون الملاهي ويشربون؛ فقال له أصحابه: ما ترى هؤلاء – في هذا الماء – يعصون! أدع الله عليهم ، فرفع يديه إلى السماء وقال: ” إلهي وسيدي، كما فرحتهم في الدنيا أسألك أن تفرحهم في الآخرة ” ، فقال له أصحابه إنما قلنا لك ادع عليهم فقال: ” إذا فرحهم في الآخرة تاب عليهم في الدنيا، ولم يضركم شيء “.

وقال محمد بن منصور الطوسي: ” كنت يوماً عنده فدعاني، ثم عدت إليه من الغد فرأيت في وجهه أثر شجة، فهبت أن أسأله عنها؛ وكان عنده رجل أجرأ عليه مني فسأله عنها، فقال له: سل عن ما يعنيك ، فقال بمعبودك إلا عرفتني ، فتغير معروف، وقال: “لم أعلم أنك تحلفني بالله، صليت البارحة هنا، واشتهيت أن أطوف فطفت، ثم ملت إلى زمزم لأشرب من مائها، فزلقت على الباب، فأصاب وجهي ما تراه ” .
وجرى ذكره يوماً، في مجلس الإمام أحمد، فقال واحد من الجماعة هو قصير العلم فقال أحمد: ” أمسك، عافاك الله، هل يراد العلم إلا لما وصل إليه معروف! “.
وجاء رجل إليه، فقال جاءني البارحة مولود، وجئت لأتبرّك بالنظر إليك , فقال: اقعدت، عافاك الله، وقل مائة مرة ما شاء الله كان ، فقالها , قال: قل مثلها ، فقالها ، حتى قال ذلك خمس مرات ، فكان ذلك خمسمائة مرة ؛ فلما استوفاها دخل عليه خادم جعفر وبيده رقعة وصرة ، فقال : ستنا تقرأ عليك السلام وتقول لك خذ هذه، وادفعها إلى قوم مساكين ، فقال ادفعها إلى ذلك الرجل ، فقال فيها خمسمائة درهم ، فقال   قد قال خمسمائة مرة ما شاء الله كان   ؛ ثم أقبل على الرجل، وقال: يا هذا لو زدتنا لزدناك.
وقال السري رأيت معروفاً – في المنام – وكأنه تحت العرش والله تعالى يقول لملائكته : ” من هذا؟” ، فقالوا: أنت أعلم يا ربُ   ، فقال : ” هذا معروف الكرخي، سكر من حبي، لا يفيق إلا بلقائي “.
وقيل له، في علته أوصِ , فقال: ” إذا مت فتصدقوا بقميصي هذا، فأني أحب أن أخرج من الدنيا عريانا، كما دخلتها عريانا ” .

وقال في الموت :

ألتقي حياة لا نفاذ لها       قد مات قوم، وهم في الناس أحياءُ

من كلامه : ” الدنيا أربعة أشياء: المال، والكلام، والمنام، والطعام، فالمال يطغي، والكلام يلهي، والمنام ينسي، والطعام يسقي “.