بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله الجميل، و الصلاة و السلام على القائل إن الله جميل يحب الجمال محمد بن عبد الله صلاة جمال و كمال و على الآل و الصحب و الوارثين و التابعين إلى يوم يقوم الأشهاد

كنا قد ذكرنا في المقالتين السابقتين من تذوق الجمال و الفن معادلة التذوق الجمالي و تحدثنا عن التذوق و تفصيلاته ، ثم انتقلنا للحديث عن الجمال و تفصيلاته …

أما في هذا الجزء وهو الأخير من مقالة تذوق الجمال و الفن فسنكمل الحديث في الجمال و تفصيلاته، بغية الوصول لحقيقة الجمال بإذنه تعالى للغاية منها …

 لفظ الحسن:

قبل أن نذكر الآيات التي ذكرت الحسن و الإحسان نذكر معناه اللغوي :

الحُسْنُ: ضدُّ القُبْح ونقيضه، و هو الجمال.

وهو اللفظ الآخر من ألفاظ الجمال التي يرد ذكرها في القرآن الكريم، والدلالة الجوهرية لهذه اللفظة منصرفة إلى كون الجمال جزءا من تكوين ” الشيء ” وحقيقته ، وهذا يعني أنه لا يستعمل للدلالة على وقع ذلك ” الشيء ” في النفس بل للتعبير عن “حقيقته “، من ذلك مثلا قوله سبحانه :

((لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا)) الأحزاب 52

فالحسن صفة جمالية حقيقية في المرأة ، هي تلك الصفة التي يتفق عليها الرائون وهي جمال مادي ملموس وليس معنوياً فيها ، وهو في الوقت عينه ليس معنوياً في الرائي بمعنى أن المرأة تبدو له جميلة مع أنـها ليست في واقع الأمر كذلك ، ولئن كان هذا المعنى مقصوداً لكان يقال مثلاً ولو أعجبك جمالهن.

“الحسن ” إذن صفة جمالية فعلية في الشيء ذاته بغض النظر عن أثره في الآخر أو عدم أثره ، و الحسن يختلف عن الجمال من حيث أن الحسن حقيقة بينما الجمال شعورٌ ، وهكذا فإن ألفاظ الحسن في الآيات الكريمات تدل على الجمال الفعلي الملموس في الأشياء، من ذلك مثلاً قوله تعالى:

((… وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ )) آل عمران 14

((وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآَبٍ)) ص 40

((… وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا)) الكـهف 2

((…قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)) يوسف 23

وهي جميعاً دالة على حقائق الحسن، فحسن المآب يعني أن المآب في حقيقته جميل وليس جماله انطباعاً يشعر به الإنسان يوم القيامة، ولهذا أيضا فإن البارئ عز وجل عندما يوجه عباده بقوله الكريم:

((…وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ …)) البقرة 83

فإنه يوجههم إلى أن يكون ما يقولونه في جوهره وحقيقته جميلاً، لا أن يكون القول مترائياً لسامعه أنه جميل بينما هو ليس كذلك في نفس قائله، فهو يدعو عباده إلى صدق المقال وتجنب النفاق.

لفظ الزينة:

و الزين لغة هو: زين الزاء والياء والنون أصلٌ صحيح يدلُّ على حُسن الشيء وتحسينه، فالزَّيْن نَقيضُ الشَّيْن، يقال زيَّنت الشيء تزييناً.

وأزْيَنتِ الأرضُ وازّيَّنتْ وازدانت إذا حَسَّنَها عُشْبُها.

فالزينة عنصر جمالي غير ممتزج بكينونة الشيء ولا يدل إيراده على تأثيره في الآخرين، إن ما يرتديه الإنسان محض زينة طالما أنه سيخلعه ويستبدل به غيره، ولهذا فإن معظم الآيات المشتملة على هذه اللفظة تنصرف إلى هذا المعنى كقوله سبحانه:

((قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)) طه 59

((… وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ … )) طه 87

((اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ … )) الحديد 20

((يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ … )) الأعراف 31

((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ … )) القصص 79

وغيرها من الآيات الكريمات، وقد وردت “زينة ” في مواضع أخرى تبدو في ظاهرها وكأنـها تعكس الأثر الجمالي في النفس من مثل قوله سبحانه :

((وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً …)) النحل 8

على أننا إذا ما أمعنا النظر في الآية لتبين لنا أنـها لا تدل على ذلك الأثر؛ ذلك أن ” زينة ” وردت ههنا غير مخصوصة ، وهي تختلف في هذا الصدد عن الجمال التي وردت في قوله تعالى :

(وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) النحل 6

فـ ” جمال ” مخصوصة بالمخاطبين ” لكم فيها ” تلميحاً إلى تأثير الأنعام فيهم، بينما وردت ” زينة ” مطلقة لتشير إلى كونـها ملكاً زائلاً.

إن الألفاظ السابقة وهي: الجمال، والحسن، والزينة، تدور جميعاً ومن جهة أخرى، على التعامل مع الظاهر و الباطن مع اختلاف التأثير والثبات والتغير… فالجمال ظاهر مؤثر، والحسن باطن ثابت، والزينة ظاهر متغير… إلا أن جميع الألفاظ تكشف عن رؤية الإنسان وموقفه.

و لقد جاء الهدي المحمدي جامعاً لهذه الحقائق، فهو صلوات ربي و سلامه عليه عندما يقول : ” الجمال حسن القول، و الكمال مطابقة الأفعال على الأقوال ” يؤكد تأكيداً جازماً على هذه الحقيقة القرآنية فهو عليه الصلاة و السلام عندما يقول: الجمال حسن القول، يجمع بين الجمال (الظاهر) اللفظ الذي يعكس تأثير الشيء في النفس، و بين حقيق هذا الجمال (الظاهر) و هو الحسن، أي جاء باللفظ الذي يعبر و يدل على الجمال الذي يوجد حقيقةً في ذلك الشيء والذي يتفق عليه الرائون بدرجات متفاوتة.

وإن من أهم صفات الحسن امتزاجه بكينونة الشيء وملازمته له و لهذا قال صلى الله عليه و سلم “القول” أي أنه جاء بأصل التكوين بكن في القول.

و إن من هذه الحقيقة سميت الأسماء الإلهية بالأسماء الحسنى فالجمال كينونة هذه الأسماء وهذا ما قاله الحق على لسان نبيه في حديثه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاس“، رواه مسلم.

الحديث جاء بلفظ “الله جميل يحب الجمال” و هو ما يقول عنه الشيخ ابن عربي : (اعلم أن الجمال الإلهي الذي تسمى الله به جميلاً ووصف نفسه سبحانه بلسان رسوله أنه يحب الجمال في جميع الأشياء وما ثم إلا جمال فإن الله ما خلق العالم الأعلى صورته وهو جميل فالعالم كله جميل وهو سبحانه يحب الجمال).
و لما كان أثر الجمال في الصور ما يقع به العشق و الحب و الهيمان و الشوق، و يورث الفناء عند المشاهدة، و لهذا هامَ في الحق العارفون، و تحقق في محبته المتحققون، و لهذا قلنا في بعض عباراتنا عن العالم: إنه مرآة الحق، فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق، فهو سبحانه الجميل، و الجمال محبوب لذاته، و الهيبة في قلوب الناظرين إليه ذاتية، فأورث المحبة والهيبة، فهو تعالى المتجلي في كل وجه، المطلوب في كل آية، و المنظور إليه بكل عين.

جميل ولا يهوى جلى ولا يـــــرى   وتشهد الألباب من حيث لا تـــدري

ولا تدرك الأبصار منه سوى الذي   تنزهه عنه عقول ذوي الأمـــــــر

فإن قلت محجوب فلست بكــــاذب   وإن قلت مشهود فذاك الذي أدري

وفسر النبي، صلى الله عليه وسلم، الإحسانَ حين سأَله جبريلٍ، صلوات الله عليهما وسلامه، فقال: ”هو أَن تَعْبُدَ الله كأَنك تراه، فإن لم تكن تراه فإِنه يَراك“ ، وهو تأْويلُ قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ … )) النحل 90 وأَراد بالإحسان الإخْلاص، وهو شرطٌ في صحة الإيمان والإسلام معاً، وذلك أَن من تلفَّظ بالكلمة وجاء بالعمل من غير إخْلاص لم يكن مُحْسِناً، وإن كان إيمانُه صحيحاً، وقيل: أَراد بالإحسان الإشارةَ إلى المُراقبة وحُسْن الطاعة، فإن مَنْ راقَبَ اللهَ أَحسَن عمَله، وقد أَشار إليه في الحديث بقوله: فإن لم تكن تراه فإِنه يراك، وقوله عز وجل: هل جزاءُ الإحسان إلا الإحسان؛ أَي ما جزاءُ مَنْ أَحْسَن في الدُّنيا إلا أَن يُحْسَنَ إليه في الآخرة.
و منه أيضاً ما روي عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته”.

 

و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل و الحمد لله رب العالمين