بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله الجميل، و الصلاة و السلام على القائل إن الله جميل يحب الجمال محمد بن عبدالله صلاة جمال و كمال و على الآل و الصحب و الوارثين و التابعين إلى يوم يقوم الأشهاد .

 

جلس رجل في صباح يوم كانوني بارد في محطة قطارات الأنفاق في العاصمة الأمريكية واشنطن ، و بدأ يعزف على كمانه مقطوعة موسيقية لبتهوفن .
عزف الرجل لمدة 45 دقيق ، مرّ خلالها آلاف الناس من هناك، أكثرهم ذاهب إلى عمله في زحمة الصباح، بعد ثلاث دقائق ينتبه رجل في الخمسين من عمره لعازف الموسيقى الواقف يعزف على آلته، يخفف قليلاً من مشيته، و يقف لبضع ثواني ثم يتابع طريقه، و بعد بضع دقيقة يحصل العازف على أول دولار ترميه امرأه في حاضنة الكمان و بدون أي تتوقف ولا للحظة واحدة .
و بعد بضع دقائق استند رجل على الجدار للاستماع إليه، و لكنه بعد قليل نظر إلى ساعته و عاد يمشي من جديد، من الواضح أنه متأخر عن العمل .
و أحد أكثر الذين أظهروا اهتمامهم بالرجل كان طفل عمره حوالي ثلاث سنوات يمسك يد أمه و يسير بجانبها دون توقف و لكن نظره كان مع العازف ، حتى بعد ابتعادهم عن العازف مشى الطفل و هو ينظر للخلف ، و قد حصل هذا الأمر مع العديد من الأطفال الآخرين .

جميع الآباء دون استثناء كانوا يجبرون أبناءهم على السير رغم نظرات الأطفال و انتباهم .
بعد 45 دقيقة من العزف على الكمان ، ستة أشخاص فقط هم الذين توقفوا و استمعوا للعزف لفتره ثم انصرفوا .

حوالي عشرين شخصاً قدم له المال و عاد للسير على عجلة من أمره لقد جمع 32 دولار .

بعد انتهاءه من العزف ، عمّ الصمت في محطة المترو ، و لكن لم ينتبه لذلك أحد ، ولم يصفق له أو يشكره أي شخص .
لم يعرف المارة أن عازف الكمان هو (جوشوا بيل) أحد أشهر و أفضل الموسقيين في العالم .

وقد عزف إحدى أعقد المقطوعات الموسيقية المكتوبة على الكمان في العالم التي تقدر قيمتها ب 3.5 مليون دولار .
حيث كان قد عزفها قبل يومين في قاعة ملآنه في أحد مسارح بوستن ، وكان سعر البطاقة الواحدة لا يقل عن 100 دولار أمريكي .
وقد عزف (بيل) متخفياً في محطة مترو الأنفاق كجزء من تجربة إجتماعية قامت بها صحيفة ( الواشنطن بوست ) عن الإدراك الحسي و التذوق الجمالي و الأولويات عند البشر .

و كانت الخطوط العريضة للتجربة :

في بيئة عامة مزدحمة وفي وقت غير ملائم هل لدينا القدرة على استشعار الجمال و تذوقه ؟

هل نتوقف ولو للحظات لنقدر قيمة الجمال ؟

هل نستطيع أن نميز الموهبة في مكان غير متوقع ؟

إن لم يكن لدينا الوقت للوقوف للحظات و سماع عزف أعظم موسيقي لأجمل مقطوعة موسيقية في تاريخ الفن يا ترى كم من الأشياء الجميلة الأخرى التي نمر بها دون وعي ؟

في هذه التجربة يتبين لنا كم من الجمال الذي مرّ و يمر بنا في كل لحظة و لكننا لا نلاحظه … لا نلمسه … إنه يأتي إلينا و لكننا نتجاهله نرفضه… لا نعيره انتباهاً .

هل تراه جهلٌ منا بماهية الجمال ؟

أم هو عدم معرفة بتذوق الجمال ؟

أم هو فقدان لمقومات الجمال و تذوقه ؟

هناك العديد من الأسئلة التي يمكن طرحها ، و أيضاً الكثير من التساؤلات و الإستفسارات ، لكن الحل الأمثل لهذه المشكلة يتوجب علينا العودة إلى الجذور الأصلية و التعريفات الأولية لمكونات هذه المعادلة ، فلو قلنا أن معادلة تذوق الجمال هي :

المتذوق + العمل الفني (باختلاف نوعه و مشربه)     ادراك للجمال       تذوق و استمتاع بما يحيطنا من جمال

و بناءاً على هذه المعادة فإن أول ما يجب علينا علاجه هو المتذوق وعملية التذوق ، ثم الجمال ، ثم العمل الفني ، لنحصل على النتيجة النهائية .

 التذوق و تفصيلاته :

إذا أردنا الحديث عن التذوق يتوجب علينا أولاً العودة إلى أصل الكلمة و أصل الفعل و اشتقاقه اللغوي ، من ثم الإستخدام الإصطلاحي له عند أهل العلم و الإختصاص . فأول الكلام عن أصل الإشتقاق هو :

ذوق :
الذّوْقُ : مصدر ذاقَ الشيءَ يذُوقه ذَوقاً وذَواقاً ومَذاقاً ، فالذَّواق والمَذاق يكونان مصدرين ويكونان طَعْماً ، كما تقول : ذَواقُه ومذاقُه طيّب؛ والمَذاق : طَعْمُ الشيء .
وتقول : ذُقْتُ فلاناً وذُقْتُ ما عنده أَي خَبَرْته ، وكذلك ما نزل بالإِنسان من مَكروه فقد ذاقَه .

ويقال: ذُقت فلاناً أَي خبَرْته .

واسْتَذَقْت فلاناً : إِذا خبرته فلم تَحْمَد مَخْبَرَته .

وأَمر مُستَذاقٌ : أَي مُجَرَّبٌ معلوم .

والذَّوْقُ : يكون فيما يُكره ويُحمد.

ذاقَهُ ذَوْقاً ومَذاقاً ومَذاقةً : اخْتَبَرَ طَعْمَهُ ، وأذَقْتُه أنا .
وذاقَ القوسَ : جَذَبَ وتَرَها اخْتباراً .
وما ذاقَ ذواقاً : شيئاً .
وأذاقَ زيدٌ بعدَكَ كرَما ً: صار كريماً .
وتَذَوَّقَه ُ: ذاقَه مرةً بعدَ مرةٍ .
وتَذاوقوا الرِّماحَ : تَناوَلوها .

و هكذا نقول أن أصل الإشتقاق في اللغة يفيد معنى الخبرة بالشيء و معرفته عن طريق المباشرة و التجربة و الإختبار، و قد ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى :

 في القرآن الكريم :
وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم (63) مرة على اختلاف مشتقاتها ، منها قوله تعالى : ” وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ” النحل 112
و قد ورد في تفسير هذه الآية في كتب التفسير ما نصه :
والإذاقة : حقيقتها إحساس اللسان بأحوال الطعوم ، وهي مستعارة هنا ، وفي مواضع من القرآن إلى إحساس الألم والأذى إحساسا مكينا ، كتمكن ذوق الطعام من فم ذائقه ، لا يجد له مدفعاً . 
والذوق مستعار للإحساس بالكدر .

شبه ذلك الإحساس بذوق الطعم الكريه كأنهم راعوا فيه سرعة اتصال ألمه بالإدراك ، ولذلك لم نجعله مجازاً مرسلاً بعلاقة الإطلاق إذ لا داعي لاعتبار تلك العلاقة ، فإن الكدر أظهر من مطلق الإدراك .

وهذا الإطلاق معتنى به في كلامهم ، لذلك اشتهر إطلاق الذوق على إدراك الآلام واللذات . ففي القرآن ذق إنك أنت العزيز الكريم ، لا يذوقون فيها الموت . وقال أبو سفيان يوم أحد مخاطبا جثةحمزة : ذق عقق . وشهرة هذه الاستعارة قاربت الحقيقة ، فحسن أن تبنى عليها استعارة أخرى في قوله تعالى فأذاقها الله لباس الجوع والخوف . 

و في الحديث الشريف :

عن أنس بن مالك أن رسول الله قال : ” ثلاثة من كن فيه فقد ذاق طعم الإيمان : من كان لا شيء أحب إليه من الله ورسوله ، ومن كان أن يحرق في النار أحب إليه من أن يرتد عن دينه ، ومن كان يحب لله ويبغض لله ”

الذوق هو الحاسَّة المعنوية الشفَّافة التي تدعو صاحبَهَا إلى مراعاة مشاعر الآخرين ، وأحوالهم ، وظروفهم ، وهو أدبيَّات التعامل مع الناس ، وهو الفنُّ الجميل في العَلاقة مع الآخرين .

و يقول الشيخ الأكبر عن الذوق :

الذوق عند القوم : هو أول مبادئ التجلي ، وهو حال يفجأ العبد في قلبه .

و من التعاريف السابقة سواء اللغوية أو الإصطلاحية يمكننا القول : أن التذوق كان أصلاً فطرياً مرتبطاً بالأشياء المادية وبإستجابة فسيولوجية ، ثم استخدم ليشمل ما هو معنوي سواء ما يتعلق بالناس أو الأشياء أو الظواهر .
فعملية التذوق هي القدرة على الحكم عن طريق الإحساس المباشر والتجربة الشخصية دون التقيد بقواعد معينة ، وتتدخل في هذا الحكم ميول المتذوق الخاصة .

و يغلب فيها الطابع الوجداني بتفاعل ضمني بين الشيء ( الموضوع المتذوق ) والمرء المستمتع به .
فعندما تقول مذاق الشيء فإن السامع يفهم الدلالة المادية له ، ما إذا كان حلواً أو مّراً أو طيباُ أو … فيما يرد في صياغات أخرى ليعني الدلالة الجمالية المعنوية للشيء . 
و هناك تأثير مباشر لعملية التنشئة الأسرية والتربية والتعليم والحضارة أو الثقافة تؤثر في عملية التذوق ، إما أن تهذّبه وتجعله في مستوى راقٍ ، أو أن تهمل ذلك فيبقى في مستواه العادي أو الفطري .

و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل و الحمد لله رب العالمين