علم الثـِقَـل في الـقرآن الكريم

تقديم المُدِون د. عزيز فارس على علم الثقل في القرآن الكريم

علم الثقل

في الـقرآن الكريم

لمُؤلفه سماحة علَّامة الديار الشامية

الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب  حفظه الله تعالى

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى كل من يحب الله تعالى أنقل هذا العلم الشريف من علوم سماحة العارف بالله تعالى المفكر الإسلامي علَّامة الديار الشامية الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب  حفظه الله تعالى كما سمعته منه يوم تلقيناه من فمه الشريف كلمات نور يجليها الله تعالى على لسانه ويخرجها كالجمان على شفتيه ليتحف بها أسماعنا بالحق ولأنه لا يؤمن أحدنا حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وجدت أنا الفقير لله تعالى الدكتور عزيز فارس أن أنقل لكم كلمات فضيلته عن علم الثقل حيث سمعته يقول :

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا إنك تجعل الحزن إذا شئت سهلا سهلا لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك رحمتك نرجو إن ربك هو الفتاح العليم سبحان ربي العلي الأعلى الوهاب وبعد …

كنت قد اخترت لكم قرابة الـ 500 علم من علوم القرآن الكريم لتكون نواة للجزء الأول من سلسلة العلوم القرآنية وقد وصلنا بعونه تعالى إلى العلم رقم 94      

بعنوان علم الثقل في القرآن الكريم

مقدمة في العلم

مقدمة

هذا العلم استغرق ثمان وعشرون آية من آيات القرآن الكريم … وهذا الكم من الآيات التي صاغته يعتبر كم كبير وكثيف … مقارنة بكم الآيات التي صاغت غيره من علوم التشريف … مثاله علم الأبدال الذي خص أربعين آدمي في هذه البسيطة … وعلم الأوتاد الذي يخص أربعة آدميين فقط في كامل الخليقة … وعلى حكمه فهو علم عظيم الأهمية من حيث كنه المعلومة وغزارة مرجعيته في كتاب الحق عز وجل … ومن حيث تفصيل بعض العوالم المحسوسة وصدق إجابته عما وجب معرفته واستهل …       لذا قد اخترت للناهلين من ورد علومه تعالى أن يكون من العلوم المائة الأولى في التصنيف … وأن يكون من أبدى علوم التشريف في التعريف …  فهو من ركائز بيان تلك العلوم ورتاجٌ نلجُ من خلاله إليها لنستدل عليها …

واعلم أن علم الثقل يجيب على تساؤلات كامنة في خلد الكثيرين ممن يلتمسون حقيقة التكوين والوجود من خلال ما جاء في كتاب الحق من حقائق وصفها الله تعالى بالثقيلة …

أما هذه الموصوفات …       هي :

أولاً – عالم الكلمة

إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ( المزمل 5 )

ثانياً وثالثاً – عالمي الإنس والجن

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ( الرحمن 31 )

رابعاً – عالم الحركة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ       ( التوبة 38 )

خامساً – عالم الحرب

انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ

تَعْلَمُونَ ( التوبة 41 )

سادساً – عالم المَغْرَمْ

أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ ( الطور 40 ، القلم 46 )

سابعاً – عالم السحاب

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ( الرعد 12 )

ثامناً – عالم الميزان

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( الأعراف 8 )

ولتعلم وليي في الله تعالى … أنَّ معنى كلمة ” ثقل” يشير إلى ما هو فوق القدرة وقوة الاحتمالْ … وأضرب لك لتوضيح تلك الفكرة هذا المثالْ:

كأن تضع ثقلاً على ميزان … ذو استقرار واتزان … فتنكفئ كفته ويتغير وضعه … فتظهر قدرة هذا الثقل وقوته … أو علم لا تستطيع فهمه فنقول أن العلم ثقيل على مدركتك … لم تحتمله ناصيتك … أو دَين لا تستطيع دفعه فنقول أن الدَين ثقل عليك … لأن المال غير متوفر لديك …

فالثقل ليس بالمادة وكثافتها فقط إنما بالمعنى وإطلاقه أيضاً …

فالكلمة معنى ولكنها ثقيلة لا يعلم ثقلها … إلا من أدرك حقيقتها

ثقل الكلمة

ثقل الكلمة

إنّ بضع كلمات صادقات تفصل بين حق وباطل … وبين بريء وقاتل … ففي العدالة هنالك من يقسم بالله تعالى الحق ليشهد زوراً وبهتاناً … إنما بضع كلمات كاذبات تحمل على صاحبها غضب إلهي … ولعنة ذات استيفاء قدري … وإذ تودي بقائلها في جحيم الحياة … وعذاب لا مناص منه ولا نجاة … فما السر في تلك الكلمات ؟

السر أن الكلمة ذات ثقل روحي … وذات أبعاد هائلة في أصل التكوين … الله الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى … وصف الكلمة بالثقل … فهي حتماً ثقيلة … من حيث القدروية والتأثير …

ثقل الكلمة الإلهية
قال سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وسلم) أنه … حين كان الأمر الرباني وأنزلت سورة البقرة من تحت العرش الإلهي … كل آية من آياتها كان لها ملائكتها سبعون ألفاً لكل آية … فتدبر وقلِّب النظر … بما لكلمات ربي من غرض وغاية … آية من هذه السورة ( الم ) ثلاثة حروف فقط … ثلاثة أسرار … احتملها سبعون ألفاً من الأبرار …
على هذا السياق يروي لنا  سماحة الشيخ المفكر الإسلامي هانيبال يوسف حرب قدس الله سره كيف أنه سألْ … رَجُلاً صادَقَ رفيقاً من عالم الجان … عما فـَعلْ حتى تمكن إليه فوصَلْ ؟ …

فأجابه بـ ( الم ) .

فالجان لا يحتمل ما هو مكنون في تلك الكلمات من طاقات … فيأتون طائعين … بأنوار ألف لام ميم … نفيد مما سبق أنه كما عالمي الإنس والجن من العوالم الثقيلة …

إذ يقول تعالى : (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) الرحمن 31

فإن عالم الإنسان أقوى في ثقله من عالم الجان … لأن ثقل الإنسان احتمل ثقل الكلمة الإلهية التي لا يحتملها ثقل الجان … ومنه ندرك قوله تعالى :

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقـْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) الإسراء 70

ذلك بأن الإنسان اختُصَّ بكلماتٍ من ربه … (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ) البقرة 31

وكلمات الله ذات تمام وثقل … أما التمام فقد بحثناه في علم ( تمام الكلمة ).

(ثقل الكلمة) عالم اختصت به جميع البشرية … ثقل الكلمة حقيقة اختصت بها جميع البشرية … وتلك المعرفة جاءت من

كلمات في كتاب الحق تعالى … أوحى بها إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم  … بما أشار إليه وفصَّلَ وتكلَّم … على أنَّ ما أُنزِلَ على خاتم الأنبياء والمرسلين … من قولٍ ثقيل … إنما هو منزَّلٌ لأتباع الأنبياء من العالمين … وارثوا هذا الإرث العظيم …      فبآياته خاطب العموم التابعين … دون الحصر على الشاهدين … من أنبياء وأولياء … وأبدال وعارفين …( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) المزمل 5

ثقل الكلام الإلهي وثقل الكلام الإنساني

ثقل الكلام الإلهي وثقل الكلام الإنساني

مثال يضربه لنا المفكر الإسلامي العلامة هانيبال يوسف حرب قدس الله سره ؛ أنَّ مثلٌ يقول:  ( عصفور بالإيد أحسن من عشرة على الشجرة )

مَثَلٌ راسِخٌ في الذاكرة … وليست العقول على ذكره قاصرة … فهو بسيط سهلْ … يستحضره الطفل والكهلْ … بينما أن تستحضر آية من آيات القرآن … الثقيلة على روح الثقلان … من إنس وجان … يكون الأمر ليس بسهولة ذاك المثال … ولا بهوان ذاك المقال … فهي تحتاج إلى الدوام والمثابرة … بين استذكار ومطالعة … فما حَفَظَ زيدٌ جزءاً من القرآن وغابَ … إلا وبعد حين اضطر إليه فآبَ … فكلمات القرآن كلمات الله تعالى تضمنت ثقل الأكوان وكنه الأبيان … ورحمة منه بنا ألا يكون علينا حملها … وما عَهـدَ إلينا حفظها … لأنها :

أولاً كلمات الله تعالىوثانياً حقٌ ( والحق ثقيل كما سنرى في عالم الموازين )

فيقول سبحانه من قائل:      

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر 9

و أمَّا السؤالْ الذي بالخاطرِ جالْ … لِماذا تغيبُ الآيات … وتستمرُّ الأمثالْ ؟! …

أجاب الشيخ العلامة هانيبالْ حرب حفظه الله تعالى ومد له بالعمرِ وأطالْ … فذكَرَ فقالْ :

كما الرجُلُ الذي يحملُ حملاً ثقيلاً … وأزمعَ بحمله رحيلاً … فيشعر بعد طول مسيرٍ بالتعبْ … ويحس مسَّ اللغَبْ … فتنزع نفسه إلى الإحجام على الإقدام … ويصبح كلما أضناه المسير وأتعبه … يضع حمله ويريح جسده … وكذا حافظ القرآن … ذاكرته لن تحتمل ما كان … فتتخلى عمَّا احتوت … وتضع عنها ما أوَت إلا من رَجَعَ فذَكَرْ … فإن الذِّكرَ نور … يجلي عن الروح كلَّ ضعفٍ وفتورْ … فيبقى القرآن ذِكْراً متداولاً … وغَرَضَاً مُتَنَاوَلاً ومتوارثاً … من خلفٍ إلى سلفٍ … يحاضُّ عليه … ويُلجَئُ إليه …

يقول تعالى :

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) الحجر 9

( يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) النساء 28

ثقل الوحي بكلمات الباعث الكامل

ثقل الوحي بكلمات الباعث الكامل

حديث عن زوج النبي “عائشة” (رضي الله عنها) … كان سيد المرسلين … محمد (صلى الله عليه وسلم) حين هبط عليه الروح الأمين … بالوحي وهو ساند رأسه على حجرها … اندك فخذها دكاْ …  لثقل ما أوحي إليه من قرآن يتلى …

وما تفسير ما ظهر وبان … إلا بحقيقة ما ورد في القرآن :

( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) ( المزمل 5 )

أثر ثقل كلمات الباعث الكامل في الصلاة

أثر ثقل كلمات الباعث الكامل في الصلاة

في صلاة التهجد … أناء قيام الليل … وما اعتمَرَ قلب النبي من تعبد … ورغبة إلى الله وميل … ما شَعَرَ النبي صلاة الله عليه وسلامه … بما أصابه … إذ تورَّمت قدماه … وتغير الشكل فيهما … فأهل الأنوار … يدركون هذه الأسرار … بما لكلمات الله تعالى من ثقل ليس على الأرواح فقط بل الأجساد أيضاً … فأنزل الله عز وجلْ … على من أشارَ إليه و دَلْ : 

( طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) ) طه

فالثقل الذي عاناه سيد المرسلين … يعزى إلى ما قرأ وتلاه … أثناء تعبده … بما أدرَكَهُ بفطرته … وعميق فهمه … وتفكُّره بكلمات ربه … فهذا ما يسمى بأذواق نور الرب … أولئك الذين يفيض بهم تنور القلب … فيطفح بالعرفان والبيان … وتنطلق الروح إلى ما وراء الجسد وما وراء وراء الحرف والعدد … بلطيفة النور يصلون … برقيقة النور يعرفون … المحجوبون عن ثقل الكلمة هناك أهل الحجاب عن الكلمة … فلا يعلمون ثقلها … وما يشعرون بحقيقتها … وهم أربعة أصناف … بما احتملت قلوبهم من غلاف … هناك اللماح الذي يدرك بالإيماء والنظر … وهناك من لا يدرك إلا بتدخل القدر … وهناك من لا يفهم إلا بالصراخ والغضب … وهناك من لا يعي إلا بالضرب والأخذ بالسبب … ولتعلم وليي بالله تعالى أن حواس الإنسان اثنا عشرة حاسة :

خمسة ظاهرة وسبعة باطنة …

أما الخمسة الظاهرة : سمع – شم – ذوق – لمس وبصر

أما السبعة الباطنة : المدركة – المفكرة – المخيلة – الذاكرة – والحس المشترك

بالإضافة إلى الناظرة ( أو العاقلة ) العملية.

والناظرة ( أو العاقلة ) العلمية.

فالأجدر أن يفقه المرء دون حتى اللجوء إلى القول والكلام … على هذا بني الإنسان وتركَّب … فلا تأسف عليه أو تتعجب … فالذين لا يدركون ثقل الكلمة … فقد وصفهم الله تعالى بقوله :

(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) المطففين 14

أما الرّان : فهو الغلاف الذي تجمَّعَ وتكوَّنَ من الذنوب … فيمنع خروج النور من القلوب … أو دخول النور إليها … أما النور فهو من سر لباب الذات … وسريان القدرة في مادة الحياة …

ثقل الكلمة من الوجه العام

ثقل الكلمة من الوجه العام

مثال يضربه لنا الشيخ العلامة هانيبال يوسف حرب الدمشقي حفظه الله تعالى :

كان زيد نائماً وروحه في عالم المثال تحت العرش الإلهي … تسرح روحه وتمرح … يرى نفسه في جنان الخلد مع الكواعب الأتراب والأكواب الموضوعة والسرر المرفوعة والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة … يا زيد! … وإذ به يستيقظ ويجد نفسه في فراش دنياه البائسة … كلمة بثلاثة حروف ( ز ي د ) نزلت بروحه من تحت العرش إلى الفرش ! … فهي في منتهى الثقل … ومهما كان العالم الذي هو روحه فيه … نستحضر تلك الروح بالكلمة … بالكلمة تنفعل العوالم … فهي الفاعلة والعوالم منفعلة لها … وهذا مصداقية قوله تعالى:

( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) المزمل 5

فالكلمة الإلهية تخضع لها عوالم الجبروت والملكوت والمُلْك … ولما انطوى في ذات الإنسان كل الأسماء وكل مكنونات (كن ) بتجلي الله سبحانه وتعالى على العالم الاسمي … كان الإنسان قد امتلك من الكلمة الإلهية تسخير العوالم … فالكلمة القرآنية تحمل أبعاداً كشفية وقدروية تسخيرية …

(وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) النحل

ثقل الكلمة بالوجه العام والخاص هو ثقل مطلق

ثقل الكلمة بالوجه العام والخاص هو ثقل مطلق

يقول تعالى : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ) المزمل 5

ولم تكن الصياغة (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ من الأقَوال الثقيلة ) …

ثَقِيلًا … هو مفعول مطلق بألف الإطلاق … فالمسألة أُطلِقَتْ … إطلاقاً كاملاً … والكلمة ثَقُلَتْ … ثقلاً مطلقاً … فلا حد يحد هذا الإطلاق … ولا قياس يقيس هذا السياق …

يقول عليه الصلاة والسلام ( كلمة ظلم تهوي بك سبعين خليفاً في جهنم ) حديث صحيح

( سأل الصحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) فلانة من الناس تصوم النهار وتقوم الليل ولكنها تؤذي جيرانها بكلامها …فقال هي في العذاب)

فهي في صاد كلامها حكمت على نفسها بدائرة السوء … ذلك أن كلمة تخرج من اللسان … تمس شعور الإنسان … إن كانت جارحة على تحطيم النفوس قادرة … وإن صالحة فالنفوس بها صادحة … فهناك من هو لديه خلل وراثي بقدر إلهي … ويكون ذو مظهر جسدي مؤسف … أو شكل جسماني مقرف … فإذا سخر منه الأقران … تراه ضاقت به الأكوان … وانطوى على ذاته … وتأثرت ببضع كلمات حياته …
مثال :ولي أحد التلاميذ جاءَ شيخَنَا الفاضل حفظه الله تعالى … يشكو إليه ما قلب عليه حاله … إذ كانت أمه عرجاء تمشي مشيةً ضنكاْ … فالتمَّ عليه أقرانه يلقبونه ويصيحون عليه : ( يا ابن العرجا ) … حزَّ ذلك في صدره الصغير وبات لشعور الذنب أسير … تراوده الأفكار السوداء ( عن لقب ابن العرجاء ) … وفشلت كل محاولة في تخفيف حدة المسألة … وأعرض عن الذهاب إلى المدرسة وكَرِهَ أن يكون فيها مجلسه …

مثال آخر: يرويه على أسماعنا سماحته… فنعي بما يقول فضيلته …

جماعة من النساء في اجتماعهنَّ واختلافهنَّ على صنف الوليمة … إحداهن اقترحت صنفاً وأن تكون به الوكيلة … يدعى الصنف ( طباخ روحو ) فأُطلِقَ عليها هذا النعت من قبل أولاء النساء … وبهذا الاسم عُرِفَتْ … وبهذا اللقب اشتُهِرَتْ … وتم تداول اللقب وتلاشى الاسم … ثمَّ حَدَثَ ما لم يكن مرتقب وانتشر العِلم … بأن فلانة من الناس ماتت وأنها إلى ربها آلت … فجهل العديد من صَحْبِها خبر موتها … ثمَّ شيئا فشيئاً اتضح الخبرْ … وبان للجميع سخرية القَدَرْ .

ندرك مما سبق … سبباً لقول نبينا المصطفى (صلى الله عليه وسلم ) :

( ليس المؤمن باللعَّان ولا الطَعَّان ولا الفاحِشِ البذيء ) .

وسبب قوله تعالى:

( وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات 11

تشبيه ثقل الكلمة بثقل المخاض البشري

تشبيه ثقل الكلمة …  بثقل المخاض البشري

هذا ما أدركته سيدة العابدين مريم (سلام الله عليها ) حين أنزل الله تعالى كلمته فيها … وما عانته من رمضاء الحمل والألمْ … وعذاب المخاض والندمْ … قبْلَ أن ( تَلِدَ كلمِةً من الله … )

( إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ) آل عمران 45

(فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ) مريم 23

( فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا ) مريم 24

الكلمة القدسية خاطبت مريم بحقيقة ذاتها  … على أنها ثقيلة بتـنـزُّلِها … لكنها تستحق عناء المخاض لأنها رمز الكلمة الإلهية

(وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) العنكبوت 43

  فالكلمة ذات وزن في عالم الملك … ذات وزن في عالم الملكوت … ذات وزن عند الحضرة الإلهية …

الجزاء من جنس العمل

الجزاء من جنس العمل

من سمع الكلمة الإلهية المطلقة ولم تنفعل لها عوالمه الباطنة … يحق عليه العقاب الذي يكون على قدر الجريمة … ألا وهو العقاب بالمطلق …
فمن كَفَرَ بالقرآن استحق العذاب المطلق … (الأبدي)
ومن صدَّقَ بكلمات الحق استحق النعيم المطلق … (الأبدي)

(وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) الجن 23

(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ) النساء 57

وطأة ثقل الكلمة الإلهية والدعوة إلى كلمات الحق

وطأة ثقل الكلمة الإلهية والدعوة إلى كلمات الحق

مثال يمليه علينا الشيخ العلامة هانيبال حرب قدَّس الله سره:

من الأخطاء الشائعة أن يأتي مصلح ويملي على الطالح كلمات الحق تعالى كي ينهاه عن الفحشاء والبغي … فإذا الطالح اعتاد الزنى وهو قائم به … أتاه صالحنا وبدأ يقول :

(وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) الإسراء 32

فبدلاً من صقل روحه المتمرِّدة يقوم بتحطيمها بوطأة ذاك القول الثقيلْ … فلا يرى الطالح ذاك القول إلا زيادة في التمرُّد وخوضاً في ذاك السبيلْ … ولتبسيط ذاك المقال … تصوَّر أن أهل الذنوب زجاج ملوَّن بألوان اللذة … وأهل النور بكلمات الحق هم طاقة صوتية تحطم الشجر والحجر … فأن تلقي على الزجاج ( طاقة صوت الحق ) الهائلة … تجعله رملاً أو طحيناً … إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً … فيلجأ في عالم الغرائز لإثبات ذاته وترميم زجاج شهوته وتلوينها من جديد بما اعتادت عليه نفسه … فبدلاً من تحطيم زجاج الروح بغية إزالة ألوان الشهوة … ينبغي الحفاظ على زجاج الروح وتلوينها بألوان الطهر والنور … ولا يمكن لأي كائن كان أن يحتمل وطأة القول الإلهي إلا إذا امتلك الحب والإحساس بالنور الإلهي … حتى يمتزج مع أنوار الله النور القدوس … فيأتمرُ بما أمر به … وينتهي عمَّا نهى عنه … فمن أحببته أطعته … ذاك بأن الحب هو امتداد وتوسع لروح الكائن …

مثال أطرحه عليك وليي بالله تعالى : أنّ أحد المشاهد المتملكة ذاكرتي … كيف أن أمَّاً حَمَلَت مركبة تزيد عن الألف كيلو غرام لتنقذ ولدها الذي كان أسفلها … فحتى استطاعت الأم حمل ذاك الثقل عن ولدها … عاشت معه حياةً من التواصل والحنان والتعاطف وامتزاج الأرواح والأنوار والحزن والسعادة والسراء والضراء … أم أُخرى حتماً لن تتفاعل مع ذاك الموقف كما تفاعلت أم ذاك الولد … كذلك الأمر لمن وجه مشاعره وأحاسيسه لخالقه … فأهل الظلمة ما اعتادوا ذاك الشعور ولا عاشوا تلك الأحاسيس … بأن يحملوا ثقل شهواتهم مقابل ثقل إرادة الله الحبيب الأول والأخير … فحتى يحتمل المرء كلمات الرب يحتاج إلى حياة مع الله … فأهل الظلمة يحتاجون الشعور… يحتاجون التأهيل لدخول عالم جديد يتفاعلون معه … حتى يتقبلوا كلمة الطهر سورة النور وصورتها … فمن امتلك الشعور بأهميته كإنسان وبأن هناك عالم من الخير أجمل من العالم الذي ظنه بيئته المثلى … تتكون لديه صور أخرى وعوالم مختلفة … وأحاسيس جديدة … تجعله يطلب النصيحة … ويتقبل القول الإلهي الثقيل …

( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

آل عمران 31

الكلمة الإلهية يمكن سماعها من رب الكلمة

الكلمة الإلهية يمكن سماعها من رب الكلمة

يقول تعالى : ( وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) النساء 164

نعلم أن الكلمة الإلهية ثقيلة ثقلاً مطلقاً … وكلم رب العزة النبي موسى تكليماً ( بألف الإطلاق) … بالثقل المطلق … سيدنا موسى ( عليه السلام ) الإنسان البشر المخلوق من لحم ودم … تحّمل الثقل المطلق … فالإنسان بالفطرة والأصل مهيأ لسماع الكلمة المطلقة … فاحتملَ سمعه المقيد الإطلاق … وينطبق ذاك على البصر المقيد … فالإنسان مهيأ بالفطرة لإطلاق البصر بالتالي لرؤية الله سبحانه وتعالى … ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ . إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ) القيامة 22 23

فالإنسان بالأصل ليس مقيد وإنما مطلق … مهيأ لرؤية المطلق … وهذا ما يختبره العارفون بالله وأوليائه … لذا كان دعائنا وما يزال ( اللهم اكتبنا مع الشاهدين ) … فأن ترى الله في دنياك قبل مماتك هو عين الغاية … ومختصر قصة الحياة …ولماذا لا نرى الله تعالى بالعموم؟؟

ذاك في قوله تعالى:

(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) البقرة 286

من احتملت روحه الإطلاق ناسبت رؤية المطلق … فإذا هي في المقيد … يكون شأنها كما ورد في الآية الكريمة : (وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) الأعراف 143

إذ انسحق الجبل المقيد بمادته … وصعق موسى الذي لم يصل بعد لإطلاق البصر … فناسب سمع موسى المطلق سماع الكلمة المطلقة … ولكن بصره ما كان بذاك الإطلاق …

سُأل أحد الصحابة أَ رأيت الله ؟       فأجاب : وهل أسجد لمجهول ؟!

(((( لذا أقول للمكذب بحقيقة الله إذ يسأل أين الله لأراه : فاليحذر تجلي الله عليه عندئذ سنجمع أشلاء جسده من بلاد الصين و السند والهند)))) !

عنوان كل إنسان ( كلمة )
واعلم وليي بالله تعالى أن الاسم ليس مجرَّد حروف وألفاظ تشير إليك … بل عوالم ذات أبعاد وحقائق لها سلطانها عليك … (وهذا ما درسناه في علم الزمرة الحرفية النفسية)

فبضع حروف مجتمعة تعطي كائناً له صفة وحقيقة وطبع وطبيعة … فما هي طبيعة الكائنات التي احتملت ثقل الكلمة الإلهية؟

ثقـل الثّقلان

ثقـل الثّقلان

الإنس والجان

يقول تعالى: ( سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ) الرحمن 31

الملائكة لطائف نورانية … ذات أجسام ليس لها أبعاد جسدية … إلا من تجسَّد منها وتركَّب (بل هم في لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ ) … وقد اختصَّت في عوالم السماوات بما يتناسب وقدراتها وطبائعها … غير أن الإنس والجن ثقُلَت أرواحهم ورَسَخَت … فتناسبت عناصر فلك الأرض مع أرواحهم وتلاءمت … ووافقت تلك الأرواح مادة الجسدْ … تنبعث في رحم المادة وتتنـزَّلُ في الوالِدِ والولَدْ … الإنس أثقل الكائنات على الإطلاق

فأنَّى للإنس ذاك الثقل ؟

الثقل فاض من مكنونات الذات الآدمية التي انطوت فيها الأكوان … ويأتي ذاك من ثلاث حقائق اختص بها الإنسان …

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ) البقرة 30              

( وفيك انطوى العالم الأكبر ) حديث قدسي ( والتابع لا يفرد في الحكم )

( خلَقَ الإنسانَ على صورة الرحمن ) حديث صحيح

فحيث أن الإنسان خليفة النور الأعظم والقوة العظمى … وحيث بيَّنَ الله تعالى أن ذات الإنسان … اشتملت على كل العوالم وجميع الأكوان … وبأن خليفة الله سبحانه وتعالى مخلوق على صورة الخالق عز وجل … فلذاك بالغ المكانة عند الخالق … وعظيم الغاية عند الواجد …الذي عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا …فكل مكنونات ( كن ) منطوية في الذات الآدمية …وفيك انطوى العالم الأكبر … والأسماء حقانية وخَلَقَ اللهُ عز وجل الإنسانَ بالحق …وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ … والحق كما سنرى في عالم الموازين ثقيل …

الثقيل لا يحتمله إلا الثقيل

الثقيل لا يحتمله إلا الثقيل

يقول تعالى: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ) الإسراء 84

إنّ الكلمة الإلهية ثقيلة فاحتملتها الذات الآدمية لأنها من عوالم الثقل … وكما جاء في البيان ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) …

فالقرآن دستور الإنسان … وهو متناسب مع حالة ثقله الخاصة به … ثقل الكلمة الإلهية والذات الآدمية بالوجه العام
إن العموم الذين يردون حياض القرآن واتزنوا وثقلوا بثقل الكلمة الإلهية … تتمزق صدورهم الضيقة بنور الذات … وتتمدد المدارك لآفاق أبعد وأبعاد أعمق … وتغدو أرواحهم أكثر مرونة في تحمل ثقل الأكوان … التي لا تتخطى ثقل كلمة من كلمات الحق عزّ وجلّ … وقد كانَ خُلُقُ نبيّنا ( صلى الله عليه وسلم ) القرآن … وكذلك من بعده الصحابة والتابعين … ( لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الأحزاب 21 …
(وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) القلم 4 …
( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ )   الشورى 52

ثقل الذات الآدمية وثقل الكلمة الإلهية بالوجه الخاص

ثقل الذات الآدمية وثقل الكلمة الإلهية بالوجه الخاص

أولياء الله تعالى

قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): (من حفظ القرآن كأنما أدرجت النبوة بين جنبيه )

مَنْ أدْرَجَ كلمات النور الأعظم في سريرته تحقق بثقل طبيعته … فيغدو قطباً من الأقطاب المتحققين بالنور النبوي … وحين أدرك أولياء الله سبحانه وتعالى تلك الأبعاد … لم يهمهم من أمر الدنيا حُزنَاً ولا حَزَنا …

( أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) يونس 62

لأنه ما من معضلة أو مصيبة تصيب الإنسان … تتجاوز ثقل كلمة واحدة من كلمات الله تعالى … ومن طَلَبَ الغاية صارَ آية …

(كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) الرحمن 26 ، 27

أنوار الكلمة الإلهية استعداد لتلقي أنوار الله تعالى

أنوار الكلمة الإلهية استعداد لتلقي أنوار الله تعالى

قال عارف بالله تعالى أبو يزيد البسطامي ( طيفور ):

( لو أن العرش والأكوان جميعاً في زاوية من زوايا قلب العارف ما شعر بها )

ذلك لشدة ما يطالعه من أنوار الحق عز وجل …

فقلب العارف بالله تعالى يتجلى عليه :

الحق المطلق … الثقل المطلق … وكيفية ذلك :      

أن قلب العارف استعد بأنوار القرآن الكريم … ليتلقى الأنوار من رب الأنوار … لما تجلى ربه على جبلِ قلبه جعله دكا … فتمزق جسد القلب لتنطلق الروح لا تسع شيئاً ولا يسعها شيء …

يقول تعالى : ( ما وسعتني سماواتي وأرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ) حديث قدسي

فناسبه أن يجالس ربه المطلق ( أنا جليس من ذكرني ) حديث قدسي

فأن تذكر الله المطلق يذكرك بالمطلق … وتغدو الروح بذاك الإطلاق … لأن المطلق لا ينطوي في المقيد …

( قالوا : ما ذكر الله إلا الله )
ومعناه (وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) التكوير 29     

فالله ذَكَرَك قبل أن تذكره … فالذِكْر هو تحقق بالثقل وهو من مدارج القرب من الله سبحانه وتعالى … في عوالم الباطن … فهل هناك ثقل يتحقق به العبد … في عوالم الظاهر ؟

ثـقل الحركـة

ثـقل الحركـة

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ) التوبة 38

خبر النفير للحرب بالوجه العام إذا دُعُيَ المرء إلى الحرب تراه أثَّاقلَ واشتدَّ … فلا يجد إلى الحرب همة ولا دافع … ولا يجد عن تقاعسه ناهٍ ولا رادع … ويثقل ما في نفسه ثقلاً فملاقيه … وتتكاثف الروح الساكِنَةُ فيه … وتغدو حركته هدهدة وتباطؤ … وتصبح همته تقاعس وتلكُّؤ … فإذا كلمة الحق عليه ثقيلة … وخواطر القراع في نفسه شديدة … هذا خَبَرُ الحرب بطبيعة الحال … وكذا من شهد الحروبَ قال … فيكون وقع النفير للحرب في الصدور … على مثال ما جاء في سطور النور …

( وضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ ) التوبة 118

خبر النفير للحرب عند المسلمين المسلمون المؤمنون كانوا إذا نُوديَ النفير النفير كانوا فِئاماً … يتوافدون زرافاتٍ وآحاداً …

لا يهمهم قيظَ صحراء ولا صرَّ شتاء … ولا جَرْزاً من طعام ولا نُزحاً من ماء … فإذا الدّرُوعُ لُبِسَتْ والرماح خَطَرَت والسيوفُ انسلَّتْ … تراهم في مهيَعِ الطرق وشعابها … على مُجلَّى ومُصلَّىمن إبل وخيل تثير الرَّهج وتترك العفاء … يكررون النداء …
( لبيك يا رسول الله … لبيك يا رسول الله ) …

وطأة ثقل الحرب على ثقل الإنسان … ثقل كلمة الحق لها فعلان … وطأتها على الإنسان … نضح بالهمة أو خذلان وذلَّة …

فمن كان النور طبعه … كان الثقل له … ومن كان الظلام وضعه … كان الثقل عليه … فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ … بذاك كان الله غنياً عن العالمين … تفاعل ثقل الإنسان مع ثقل الكلمة الحق … وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَوا بِآيَاتِ رَبِّهمِ فَأَعْرَضواَ عَنْهَا … فلا ينفعلون لها … أما من جعل الله لهم نوراً … تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ … فتنفعل عوالم الباطن مع ثقل كلمة الحق … وربَّ حال أفصحُ من مقال … وثقل كل امرئ ما وافق الانفعال … حروف الحق ملائكية ما تحتمل الأرواح إلا مدداً ملائكي … فمن صدَّه انفعلَ عنه … ومن تفاعل معه انفعلَ له …

ذلك أن لكل آية حملتها … ملائكة أبرار … منزَّلاتٍ حافظات … فمن صدها انفعلت عنه … ومن تفاعل معها انفعلت له …

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ) فصلت 30

ثقل الذات البشرية باللعنة هو ثقل ظلماني

(إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ) البقرة 161

وما يعلول اللعنات وشآبيبها إلا أن يكون في أرواح المكذّبين … فإذا نضحت الأرواح بلعناتها أثَّاقلت بأرضها … فضُرب عليها الرَّان … وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ … أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ … فمن أضحت روحه نوراً على نور … بات القول الإلهي الثقيل المطلق … مدداً لإطلاق الروح … وتغدو على تجاوب وتواصل مع الحضرات الملائكية … وتصبح الروح فاعلة … والأكوان منفعلة لها … ومن أظلمت روحه بظلال الحُجُبْ … تستوجب لعنات الله والملائكة والناس أجمعين … فلا تتفاعل مع القول الإلهي … وتصبح الروح خاملة والأكوان فاعلة بها … ذاك من قهريات عالم الكلمة … من مدد عالم الكلمة … من مكنونات عالم الكلمة … فالكلمة تفعل ولا يُفعَلْ بها

( يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) الصف 8

قد علمنا كيف تكون وطأة الحرب على الجموع وخبرها … وكيف تتلقى صدورُ الروعِ ثقَلَهَا … ولكن ما هو أشد وطأة ورهبة في النفوس … هو عتاد الحرب من سيوف وتروس … وقنْبَلَةَ الركوب وبوارج القتال … وناشبات القذى وقادحات اللظى … فهي مما ثقُلَ من العَتَادْ … وأرْهَبَ البلادْ …

ثـقل الـحرب

ثـقل الـحرب

يقول تعالى :

(انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) التوبة 41

فوصف الله عز وجل … آلة الحرب بالثقل … فهي عتاد وعدة وملجأ في يوم الشدة … وأخذ بالسبب وتحقيق لما وجب … فالمسلمون قوة بيد الله الحق … يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ … ينصرون كلمته ويدافعون عن دينه … الثقل القائم بالعتاد الحربي

ولتعلم وليي بالله أن مصير الأمة الحق هو بترسانتها وأسلحتها وبعتادها … وكل وسيلة حربية خفيفة كانت أو ثقيلة … هي غاية ومسار في الفصل بين الفرقاء … فمنظار بسيط يكشف تسلل الأنداد يقلب مطاف الحرب ورحاها … وآلة تنصت صغيرة تكشف خطط العدو وتغير مجرى المعركة ونتائجها … فرسوخ الأمة واستمراريتها … ومصيرها وقوتها قائم على سلاحها …

يقول تعالى:

(وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ) الأنفال 60

فكل فرد من الأمة يُعِدُّ للحرب على قدر استطاعته ويأتي بما أمكنه للنفير العام … فإن كان ركوب فهو … وإن كان سلاح فهو … وإن كان مال فهو … ومن لم يمتلك السلاح … يقدّم نفسه …

( انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ )

السلاح الروحي والسلاح المادي متـلازمان

السلاح الروحي والسلاح المادي متـلازمان

قصة يرويها على أسماعنا شيخنا العلامة هانيبال يوسف حرب الدمشقي حفظه الله تعالى :

في حقبة من التاريخ … عاشت مملكة من الممالك كانت على ملَّة السيد المسيح (سلام الله عليه ) … سادها السلام والوئام … والمحبة طبع أهل الغرام … يأكلون مما يرزقهم الله سبحانه … ويعافون ما نهاهم عنه … تحابَّت قلوبهم وتألَّفت … واجتمعوا على كلمة الحق … وإذ بخبر ينسل إلى ملكهم … بأن الممالك المتربصة بهم … أعدت عدَّتها للفتك بها … فيقتسموا المملكة بينهم ويفيدوا من خيرها … فما اكترث الملك بالكتاب ورده لصاحب الخبر … فطَفَقَ الوزير يحدث نفسه أن ما بال الملك عَيٌّ عن المنطق … فليس للكتاب في نفس الملك أثَرْ … ورأى الوزير أن ينبه الملك فالبلاء موكل بالمنطق … وبعلة الزرع يسقى القرع … فقال الوزير : مولانا … أنت مرَّة عيش ومرَّة جيش … فأذِّن في الناس يعدوا عدتهم ويهيئوا سلاحهم … فإن لم يكن … سيحول الأجل دون الأمل … يجيب الملك … رأس الحكمة مخافة الله … فلا نخافهم ونصبر حتى نرى ما هم فاعلون … فانصاعت المملكة لأمر الملك فطاعة الوُلاة بقاء العزِّ … ثم جاء الخبر بأن جيوشاً جرَّارة في شمال البلاد وجنوبها … وغربها وشرقها … يرفعها نجد ويخفضها وهد … يغلِّسون نهاراً ويدَّلِجون ليلاً … قاصدة مطمعها ومبتغاها … فأنفض الوزير الخبر للملك … فأجاب الملك … لا نخافهم ونصبر حتى نرى ما هم فاعلون … فقال الوزير … الواقية خير من الرَّاقية … فلنخرج مع صغارنا ونساءنا وشيوخنا إلى  متاهات الجبال المتاخمة … فمن نام على عدوِّه نبهته المكايد  ثم انتشر الخبر بين البشر … وسمع بظلال الحرب الحجر والشجر … فاضطربت المملكة … فإن كان حصاراً جاءت المسغبة … وإن كان فتحاً فهي ملحمة  وما يجيب الملك إلا … لا نخافهم ونصبر حتى نرى ما هم فاعلون … وحقيقة الأمر أن ذاك الملك كان رحماني على شرع السيد المسيح  …

(َعِبَادُ الرَّحْمَنِ إِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) الفرقان 63 …

فلم يتصور القتل … ولا سفكاً للدماء … فهذا ليس من تعاليم الأنبياء … والزمن لا ينتظر … وبانت بوادر العداء … وهرع الوزير يتوسل الملك … من اعتاد البطالة لم يفلح … وكل آتٍ قريب … والفرص تمرُّ مرَّ السحاب … فطلائع الجيوش انتظمت فرقاً وأحاطت بالمملكة نطاقاً … لا سبيل منه إلا إليه … فإما الاستسلام وتنكيس الأعلام … أو الهروب في شعاب الغابات وعروقها … فحشد الملك الناس … وتهامست الأنفاس … فبادر وقال … ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل … انْفِرُواْ وَجَاهِدُواْ بَأَنفُسِكُمْ … بما مَلَكت استطاعة أحدكم … ومن شاء أن يتولى … فتلك الأبواب مهربه ومخرجه … ولكن لتعلموا أن الجبان حتفه من فوقه … ومن هانت عليه نفسه فهو على غيره أهون … وليس بلد بأحق بك من بلد … وحتى يوم الفصل … املئوا الكنائس وتضرعوا لله تعالى واسألوه النجاة … فكلمة حق تخرج مخرج صدق من فيه أحدكم تكون بين يدي الله خلاصنا ونجاتنا … فرب زارع لنفسه حاصده سواه … وسائل الله لا يخيب … ولكل عمل ثواب … ومن صدق الله نجا … وتنزل المعونة بقدر المؤونة … ولسان التجربة أصدق … ولتعلموا أن آخر الدواء الأجل  … بهذا القول سكنت النفوس وأشرقت بالأمل … ورب قول أنفذ من صول … فاجتمعت الأمة على كلمة واحدة أمام الله تعالى … ورب حال أفصح من مقالومع انبلاج تباشير الصباح … كان الندى يسيل على خطط الحرب … ليمتزج مع حبر النوايا … ويتساقط ويتناثر على ثرى المكان … فالجيوش اِطار حول المملكة … علم لكل قبيلة … يخفق على رؤوس حزبها … يتاخمون صروح البناء … وبات بينهم وبين الأمة موبق سورها …  وإذ الصمت يسود الحشود … والريبة تعم الجنود … يقطع صمت المكان غقيق العقبان … ونعيق الغربان … إذ جاءت العيون تلقي الخبر بأن منافذ المملكة سالكة … وأبواب الصروح نافذة … والأمة في البيوت والكنائس تصلي خوفاً وهلعاً … فعَجَبَ الخبرُ السادة والقادة … واختلج في خواطرهم شأن وغاية … فدقدقة خيول ذاك الحزب وصلصلت متاع حربهم ونادى المنادي فيهم بأن يدخلوا ليحوزوا صدر المكان … فتحرك حزب مناوئ لينافس ذاك الحزب على مراده … فاضطربت الأحزاب … وبدأ اللغط وغمغم الجند … وعلا اللجب … واختلجت الأحداق … وخفقت القلوب … وانسلت السيوف تفتك بالسيوف … وخطرت الرماح … وتناوحت الخيول … وكانت فاتحة المعركة خاتمتها … وكما تقول الحكمة … الجاهل عدو نفسه فكيف يكون صديق غيره … وإذا كان الداء من السماء بطل الدواء … توحدت الأمة على القول الثابت وكانوا بإيمانهم على ثقل تناسب مع ثقل الكلمة الإلهية بقيادة ملكهم داعية السلام … فتراه كان أكثرهم ثباتاً وأقواهم إيماناً وليس خبَّاص متلهوق كذاب … لعان طعان فاحش بذيء … يختبئ بالجحور أو جرذ متنكر بجلد النمور … أو يرى أن بلداً أحق به من بلد … بكلمة حق واحدة هزم الملك أعداء الأمة وخير الأعمال أحلاها عاقبة … وعند الامتحان يكرم المرء أو يهان … والمشهد عينه تكرر في عهد الإسلام … في حرب الأحزاب …

(وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) الأحزاب 22

إذ حوصر المسلمون المهاجرون العزَّل في خندقهم … وأحكم النطاق عليهم … ولكن كان معهم شريعة الحياة … قرآناً وسنة … أثقل الموجودات على الإطلاق … اجتمعوا على القول الثابت يرددون …
( حم ، علينا لا ينصرون ) …

فاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ … وبعث الله على ما تبقى منهم … الريحَ في ليلٍ صرٍّ … فكفأت قدورهم … وطرحت آنيتهم … وفرَّقت ركوبهم … واقتلعت خيامهم … فقفلوا إلى بلادهم أخيب من القابض على الماء …

(وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) الأحزاب 25

فسبحان الله هزم الأحزاب وحده لا شيء قبله ولا شيء بعده … كلمة إلهية واحدة تتوحد الأمة عليها فيها ثقل الأرض وثقل السماء … فالنفير في تلك المعركة كان بالكلمة الإلهية … أثقل سلاح في الوجود … إذ كانوا خفافاً من السلاح المادي ولكن ثقالاً بالكلمة الإلهية … ومن هنا تكون الآية :

(انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) التوبة 41

فالنافر بالخفيف ( له ثقله الروحي وجهاده الخاص ) … والثقل الروحي أكبر مما هو عليه الثقل المادي … ولكن الأخذ بالسبب هو غاية الطلب … ففي قصة المملكة … كانت سيوفهم في قرابها أناء دعائهم … وفي قصة الأحزاب … المسلمون كانوا عزَّلاً من السلاح لكنهم حفروا خندقاً حول مدينتهم يحول بينهم وبين عدوهم قبل دعائهم … أخذوا بالسبب المادي … ثم جاء الحق المعنوي يطحن الظلمة بثقل النور …

(بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) الأنبياء 18

الآن رأينا كيف أن النفير للحرب وقوة السلاح … ثقل يحمي بوطأته كلمة الحق … فهل هناك ثقل غير هذا وذاك يحمي بوطأته كلمة الحق ؟ …

ثقـل الـمَغْرَمْ

ثقـل الـمَغْرَمْ

(أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ الطور) 40 ، القلم 46

المَغْرَمْ هو الضريبة … التي تفرض على الإنسان … في كل زمان ومكان … مثاله الضريبة التي فرضت على الطوائف النبوية غير المسلمة الخارجة عن سنة أنبيائها أناء الفتوحات الإسلامية … كالنصارى واليهود … ذلك أنّ معظم النصارى أشركوا بالله سبحانه عمّا يصفون …
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً ) النساء 171

علماً أنَّه في الحبشة كان طائفة الإنجيليين المسيحيين عهد الإسلام لم يفرض عليهم المَغْرَمْ  … فهم يؤمنون بأن المسيح ( عبد الله ورسوله ) … وعندما علمَ النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بموت مَلِكِهم النجاشي حزنَ لموته وقال للمسلمين :إن أخاكم النجاشي قد مات فصلَّى عليه … ونزل في أولئك النصارى الآية القرآنية :
(لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ … الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ … وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ … الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) المائدة 82

أما معظم اليهود فقد ألبسوا الحق بالباطل … والآية التي نزلت بهم أوضح بياناً …
(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) الجمعة 5

فهم كبشر من العوالم الثقيلة لم يتقبلوا ثقل الكلمة الإلهية الواردة في كتاب خاتم الأنبياء … فَفُرِضَ عليهم نمط مادي من أنماط الثقل يفقهوه … ألا وهو المغرم … فمن دَفَعَ المغرم منهم بات آمناً في بلاد الإسلام ومن لم يدفعه فلا مكان له في دار السلام       … إلا من أسلم وجهه لله تعالى ورضي لنفسه الإسلام ديناً … أما الربا فاعتُبِرَ مغرمٌ محرمٌ في الإسلام …

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) 161 النساء

فهو أكل أَمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِلِ … ومنه الفائدة التي يتم تداولها في البنوك … وهو مغرم له ثقله … فترى المرء قد سدد دينه وأوفى عهده ولكنه ما يزال يدفع مالاً هو أحق به من آكله … وعلى ذاك قس … هذا وبعد أن تطرقنا لما هو في دنيانا من صول وجول نتطرق الآن لثقل كوني مصيري يشهده الثقلان أناء الحياة وأناء الحيوان

( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) العنكبوت 64

أما الحيوان : فهي صيغة المبالغة للحياة.

ثقل السحاب وثقل الموازين

ثقل السحاب وثقل الموازين (ثقل الحق)

ثـقل السحاب

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ( الرعد 12 )

يقول تعالى في آية أخرى (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) الذاريات 22

فإذا هطل الغيث وجاد على الثرى … نميراً على الحيوان والنباتَ سقى … فراتاً زُلالاً عروقَ الحياة في جسد الأرضِ يغورُ بها … قَرَاحٌ تجن به الفلُّ … لتَخرُجَ من الحضيضِ دوحاتُها … فترى الهوجلُ مخارفاً وألفافاً وكثيباً أنعاماً …

يقول تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ) الأنبياء 30

فالسحاب المثقل بالماء … هو بالحياة على احتواء … فإن كانت جهام لا ماء فيها فقرت الأرض وتلاشى ما عليها … وإن ثقلت بماءها … وسحَّ منها … جنَّت الأرض وزخرت بما فيها … فذاك من الثقل الوجودي … ما يجعله محور كل طواف … وفلك ثابت تدور حوله رحى الحياة …

يقول تعالى :

( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ) الأحقاف 3

فكل ماسبق من ثقلٍ هو حق فما هو الحق؟

ثـقل الموازين

يقول تعالى:

(وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الأعراف 8

(وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يِظْلِمُونَ ) الأعراف 9

فالموازين نوعان الخفيف منها والثقيل … تشير إلى ما هو كثير وقليل … وفي العالم المادي المحسوس هناك أوزان متعارف عليها ومأخوذ بها … ندرك من خلالها قيمة الأشياء … فمقياس الكتلة بالكيلو غرام … نقدر به كلفة الشراء … ومقياس الصوت يقاس بالهيرتز … والتيار الكهربائي بالفولت … وقوة السمع بالديسيبل … والحرارة بالكالفن أو سنتيغراد … جميعها ضوابط وقوانين متعارف عليها تعطي قيمة الأشياء وخصوصيتها … أما في العالم الآخر … فيقول النور الأعظم سبحانه وتعالى :

( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ )

فهو مقياس عمل الذات البشرية بالمطلق … ويكون ذاك بالتفاضل … فما كان خيره أكثر من شره يكون الحق له … وإن كان العكس فلا حق له … وبقدر ما تفعل الخيرات يكون الحق لك … والحسنات تذهب السيئات … وفي ذلك عين لعبة الشيطان على الإنسان …بأن يوهمه بأنه لا حق له … كثر خيره أو قلَّ … فيسَخِّف حسناته ويضخم سيئاته … وكأنما تطوف لآلئ الخير لتسحبه براثن الشر بثقلها إلى حضيض الذات … لتصبح لآلئ الخير أجراماً تضيء في فلك الأمل … ويمكث في ظلمة الحال … لا يهمه ذنباً ولا سوءاً يقال … فيفعل المعصية لتنهكه أوزارها … وتريح عليه أثقالها … فلا تبصر القلوب في ظلمة الذنوب …

(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) المطففين 14

ذاك هو تحزين الإنسان من قبل الشيطان … فلا سعادة ترجى من خير يفعله … ولا قناعة يشعر بها من صحيح إرادته … مثال ذاك المقال … ما يلقاه المرء من سوء الظن بطهر حاله وصحيح إيمانه … وتصغر بعينيه تلك الشؤون … ويكبر في نفسه الريب والظنون … لذا كان أول آيات القرآن بعد الفاتحة :

(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)  )     البقرة

فحيث ينتهي الريب والظن … ويتحقق المرء بالثقة والثبات والإيمان … يكون الهدى إلى نور الحقيقة والشريعة … ويبدأ ميزان الذات يعتدل ويتحقق بحكم الحق …

( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ )

فالوزن هو الحق … مقياس عمل الإنسان هو الحق … الذي يقيس الحق … وكذا الأمر ينطبق على جميع المقاييس … فكما مقياس الحق احتوى الحق … فإن مقياس الأمتار احتوى المتر … ومقياس الليتر احتوى الليتر … إذاً الوزن والميزان هما الحق … فلما قال : ثقلت موازينه … يعني ثقلت حقائقه … أي ثقل الحق المتراكم … وكل حق تفعله في دنياك تلقى ما يناسب ذاك الحق في آخرتك … غراسها سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا إله إلا الله … فالذكر حق يقابله غراس بيئتك المثلى في العالم الآخر …       إذاً فالتعلم أن بيئتك المثلى في العالم الآخر تخليقية بما تفعل وتقول من حقوق تبطن وتظهر بإرادتك … ولتعلم أن الحق هو الحسنات …

( مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ) النساء 79

(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) الأنبياء

ثقل الحق

ثقل الحق

الحق ثقيل … فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ … فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ امتلك الحقوق… وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ امتلك العقوق.

وبحسب علم الحرف : الـ ع والـ ح  يتعاكسان تماماً في جهتهما نحو ق الحق… فالحق هو واحدة قياس أعمال الذات البشرية

وتلك المصفوفة … تعطي أبعاداً أعمق في فهم المنظومة القرآنية … فصاحب الحق في العالم المادي بتسامحه يتنازل عن حق القصاص …إذ يمارس طاقة روحية كبيرة في التخلي عن حقه … لأن الحق ثقيل … فمن شتمك ورددت عليه ( سامحك الله ) … فأنت صاحب نفس كريمة جداً … لأنك حملت ثقلين … ثقل الكلمة وثقل الحق … فصاحب الحق حقه القصاص … وبالقصاص ينزاح ثقل الحق عن صاحبه … فمن أبى القصاص … يكون قد تحمَّلَ ثقل الحق …

(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) آل عمران 134

ولتعلم وليي بالله أن هذا من مقام الإحسان … خير مقام للسالكين … جعلنا الله تعالى من المحسنين وكتبنا مع الأبرار والشاهدين … وفي آخر مطاف ذاك المقال … ما نهاية تلك الحقائق إلا بداية جديدة في إنسان جديد … أيا من انطوى في نفسه العالم الأكبر … أيا من خُلِقَ على صورة النور الأعظم … أيا من تُمثّلُ الحضرة الإلهية بجمالها وجلالها على أرضها … أيا من انفطرت ذاته على الأسماء كلها … فالتتحقق بثقل كن التكوين … بملائكة كلماتك … من مداد الحضرة الربانية … ولتشرق سماواتك وأرضك بنور الكتاب … واسعى بذاك النور في حياتك … استقصي رخامَ كلماتك ووزنها في مملكة ذاتك … تفكَّر في العالَم الذي تملك … ولتعلم أنك أشد سطوة من قرينك على نفسك … انفر للقتال وصن الوطن … ساهم في حمل سلاح الحرب … وتسلح الإيمان … وليُفْرَض المَغْرَمْ في موضعه … وادعُ الله بالغيث فهو نعيم الوطن واستمرار الحياة … أحق الحق وقاتل الباطل … صمم بيئتك المثلى بالحق الذي تختار … ابدأ بنفسك … صحح العالم في داخلك … تحرك يتحرك الكون معك … ادعُ للكون الموكل فيك واعمل لأجله … فأنت محور ما حولك … غير نفسك يتغير ما حولك …

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) الرعد 11

أحق العدل وقاتل الظلم …

(وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) الأحزاب 37

هذه حقيقتك أيها الإنسان

( أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ ) الرعد 19

ولنكن رجالاً صدقوا ما عاهدوا الله عليه …

وهو يقول الحق وهو يهدي السبيل والحمد لله رب العالمين

نقلاً عن فضيلة المفكر الإسلامي هانيبال يوسف حرب

الدكتور عزيز فارس

الاثنين 13 ربيع الثاني 1428