نفتح المصحف، وتبقى في أذهاننا نوافذ كثيرة مفتوحة: موعد لم يأت، وحديث مضى، وأمر نخشى تعثره. تسير العين على الكلمات، بينما يتنقل الانتباه بعيداً عنها. وفي هذه اللحظة تستطيع المحبة أن تعلمنا أدب الوقوف؛ أن نمنح ما بين أيدينا حقه، وأن ندخل إلى القراءة بقصد الفهم والتلقي، مستعينين بالله على جمع ما تفرق من خواطرنا.
حضور القلب عناية بالمعنى الذي نقبل عليه. حين نحمد الله، نتذكر أننا نخاطب رباً أنعم علينا، وحين نسأله الهداية، نستحضر حاجتنا إليها في قرار قريب، وفي عادة نريد إصلاحها. هكذا تجد الكلمات موضعها في حياتنا، ويصبح الدعاء صلة واعية، لها سؤال صادق وانتظار مؤدب ورجاء يتوجه إلى الكريم.
وللمحبة أثر لطيف في هذه العناية. فالإنسان يمنح من يحب وقتاً يصغي فيه، ويتوقف عند تفاصيل كانت تمر مسرعة. ومع الله تعالى نتعلم أن نصون وقت العبادة من الاستعجال الذي يأكل أطرافه. نتهيأ للصلاة، ونبتعد عما نستطيع إبعاده من الشواغل، ونقرأ بتأن يناسب قدرتنا، حتى يأخذ المعنى نصيبه من الانتباه.
وقد يثقل اليوم بما فيه، فيحضر التعب معنا إلى السجادة. هنا نحتاج إلى الرفق والصدق معاً: نعترف بما يشغلنا، ونضع حاجتنا في دعائنا، ثم نعود إلى ما نقرأ. لا يلزم أن نصنع في أنفسنا انفعالاً قوياً، ولا أن نقارن خشوعنا بما نراه عند غيرنا. للناس أحوالهم، ولنا عملنا الذي نؤديه بإخلاص قدر استطاعتنا.
وكلما تنبهنا إلى شرود، أمكن أن نجعل التنبه بداية رجوع هادئ. نعود إلى معنى الكلمة التالية، ونستأنف الإصغاء، دون أن نحول العبادة إلى محاكمة متواصلة لأنفسنا. وقد تعيننا تهيئة بسيطة قبل البدء: إغلاق ما يشتت، وإنهاء حاجة عاجلة، واختيار موضع مناسب. هي أسباب نأخذ بها، ثم نسأل الله التوفيق ونمضي.
ويمتد هذا الأدب إلى صحبة الناس. أن تستمع إلى حديث من أمامك وأنت تفهمه، وأن تنتبه إلى حاجة يسهل أن تضيع بين انشغالاتك، وأن تنجز ما اؤتمنت عليه بعناية. فمن تمرن على الحضور في عبادته يجد أمامه كل يوم فرصاً ليحفظ الانتباه من التبعثر، ويمنح المسؤولية التي بين يديه حقها.
وللحضور أيضاً ثمرة في قراءة اليوم نفسه. قد ننهي عملاً ثم نعبر إلى غيره من غير أن نشكر الله على تيسيره، أو نرى تقصيراً واضحاً فنؤجل إصلاحه. وقفة قصيرة تردنا إلى المعنى: هذا توفيق يستحق الحمد، وهذا خطأ يحتاج تصحيحاً، وهذا إنسان له حق لم أؤده بعد. عندها تتصل المحبة باليقظة العملية.
امنح هذا المساء دعاء واحداً وقتاً تفهم فيه حاجتك قبل أن تصوغ عبارتك. اسأل الله بما تعرف من ضعفك ورجائك، واترك لقلبك فرصة أن يصحب لسانك. اللهم ارزقنا محبتك، وحسن الإقبال عليك، وأعنّا على ذكرك وشكرك، واجعل انتباهنا لما يرضيك عوناً على عبادة صادقة وحياة نؤدي فيها الحقوق بمحبة.
المصدر: قناة مدرسة الحب الإلهي

