Site icon الموقع الرسمي لسماحة علامة الديار الشامية الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب

المحبة وصدق النية

للمحبة باب خفي نمر به قبل أن تمتد أيدينا إلى العمل: ماذا نريد بهذا الذي نفعل؟ قد تتشابه الهدايا في ظاهرها، ويختلف ما تحمله القلوب معها. هدية تريد بها إسعاد إنسان، وأخرى تنتظر أن تشتري لك مكاناً في نفسه. وبين الصورتين تقف النية، ذلك المعنى الذي يمنح الفعل وجهته، ويكشف لنا أين تحتاج محبتنا إلى مزيد من الصدق.

وحين نحب الله تعالى، نتعلم أن نراجع هذه الوجهة برفق وأمانة. نريد رضاه فيما نقدم، ونرجو أن يكون إحساننا نافعاً لعباده. لا نملك شهادة نزكي بها بواطننا، ولكننا نملك أن نجدد القصد، وأن نسأل الله العون، وأن نصلح ما يظهر لنا من ميل إلى المباهاة أو التحكم أو طلب الامتنان.

قد تبدأ بعمل خير، ثم تعرف أن اسمك لن يذكر بين المشاركين. هنا تعرض لك فرصة دقيقة: أتواصل العناية بالعمل كما بدأت، أم تفتر همتك لأن الضوء ابتعد عنك؟ لا تستعجل إدانة نفسك إذا شعرت بضيق؛ انتبه إليه، ثم اختر أن يتم الخير. أحياناً تكون مجاهدة هذه اللحظة درساً أصدق من حديث طويل عن الإخلاص.

وصدق النية لا يجعلنا نستغني عن إحسان الوسيلة. فمن أراد نفع صاحبه لزمه أن يحترم اختياره وخصوصيته، ومن أراد خدمة الناس لزمه أن يؤدي الأمانة ويتقن ما يستطيع. حسن المقصد لا يبيح أن نجرح باسم النصيحة، ولا أن نتجاوز حقاً باسم المحبة. يزداد القصد صفاء حين يصحبه عمل مستقيم يمكن لصاحبه أن يتحمل مسؤوليته.

ومن رعاية الإخلاص أن تكون لنا مساحة من الخير لا نسعى إلى عرضها: دعاء صادق، أو مساعدة تحفظ ستر محتاج، أو إصلاح هادئ لخطأ نعرفه. وليس كل عمل ظاهر رياء؛ فقد تظهر الأعمال لحاجة أو قدوة أو أداء مسؤولية. العبرة ألا نعلق قيمة ما نفعل على التصفيق، وألا نجعل عيون الناس ميزاننا الوحيد.

وإذا فرحت بكلمة شكر، فلا تحول الفرح العابر إلى محاكمة مرهقة لقلبك. اشكر من لطف بك، واحمد الله على التيسير، ثم امض إلى واجبك التالي. مراجعة النية نافعة حين تعيدنا إلى العمل الصالح، وتثقل حين تصبح تفتيشاً لا ينتهي عن يقين لا نملكه. يكفينا أن نتنبه، ونجدد، ونستغفر، ونواصل السعي.

تأمل أيضاً علاقتك بمن لا يستطيع رد معروفك. هل يبقى له نصيب من عنايتك حين يغيب المقابل؟ وهل تحفظ كرامته بعد العطاء كما حفظتها قبله؟ في هذه التفاصيل تتربى المحبة على أن تقصد الخير لوجه الله، وأن تترك للناس حريتهم، فلا تحملهم ديناً عاطفياً كلما أحسنت إليهم.

اختر اليوم عملاً واحداً، وامنحه نية واضحة قبل أن تبدأ، ثم أتقنه دون ترقب الثناء. اللهم أصلح مقاصدنا، وارزقنا محبتك وصدق التوجه إليك، واجعل خيرنا للناس رحمة تحفظ حقوقهم وكرامتهم، وأعنّا أن نفرح بتمام النفع، ولو لم يعرف أحد أسماءنا.

المصدر: قناة مدرسة الحب الإلهي

Exit mobile version