Site icon الموقع الرسمي لسماحة علامة الديار الشامية الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب

ماهية الروح وعلاقتها بالجسد – موسوعة هانيبال للعلوم الإسلامية الروحية

لوحة رقمية لوعاء زجاجي مملوء بالماء داخل إناء فخاري في إضاءة ذهبية

مَاهِيَّةُ الرُّوحِ وَعَلَاقَتُهَا مَعَ الْجَسَدِ

الرُّوحُ لَهُ كَيَانٌ ذَاتِيٌّ مُسْتَقِلٌّ وَلَهُ تَجَسُّمٌ رُوحَانِيٌّ قُدْرَوِيٌّ يَصْدُرُ عَنْهُ طَاقَةٌ تَتَشَكَّلُ حَسَبَ مَاهِيَّتِهِ كَمَا أنَّ الرُّوحَ كَيَانٌ يَقْبَلُ التَّضَايُفَ مَعَ جَسَدٍ مُضِيْفٍ ؛ وَإذَا نَزَلَ فِيْ جَسَدٍ مَادِّيٍّ فَإنَّهُ يَتَعَشَّقُهُ وَيَصِيْرُالْجَسَدُ وَالرُّوحُ كَيَانَاً وَاحِدَاً بِالتَّضَايُفِ لَا بِالتَّمَازُجِ ، بَلْ يَبْقَى لِكُلٍّ مِنَ الْجَسَدِ ( فِيْ مَادِّيَّتِهِ كَيَانُهُ الْخَاصُّ ) وَالرُّوحِ ( فِيْ مَعْنَوِيَّتِهَا كَيَانُهَا الْخَاصُّ ) .

وَلَكِنَّنَا نُطْلِقُ عَلَى الْمُتَضَايِفَيْنَ ( الْجَسَدِ وَالرُّوحِ ) اسْمَ ( النَّفْسِ ) بِمَا أطْلَقَ عَلَيْهَا الْحَقُّ تَعَالَى . 

وَلِلْأرْوَاحِ صِفَاتٌ وَخَصَائِصُ عَامَّةٌ وَخَصَائِصُ خَاصَّةٌ تَتَفَرَّدُ بِهِ رُوحٌ عَنْ رُوحٍ أُخْرَى وَيُمْكِنُ تَعْدِيْلُهَا بِرَفْعِ قُوَّةِ إشْرَاقِهَا أوْ خَفْضِهِ .

أمَّا لِمَاذَا سُمِّيَتْ رُوحٌ فَهِيَ مِنَ الرِّيْحِ بِقَلْبِ الْيَاءِ وَاوَاً مِنَ الرَّوَاحِ ؛ لِأَّن الرِّيْحَ تَحْمِلُ الرَّائِحَةَ إلَى الْمَشَامِّ وَكَذَلِكَ الرُّوحُ تَحْمِلُ الْأوَامِرَ عَنِ الْحَقِّ ؛ بَلْ هِيَ عَيْنُ الْأْمْرِ الْإلَهِيِّ .

 لِذَلِكَ تَتَنَوَّعُ الْأرْوَاحُ بِمَا هِيَ خَارِجَةٌ عَنْهُ مِنْ حَضَرَاتِ الْأسْمَاءِ الْحُسْنَى ؛ وَقَالَ فِيْ الْحَدِيْثِ الشَّرِيْفِ : ( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ )

 لِأَنَّهُ عَنْ حَضْرَةِ اسْمٍ إلَهِيٍّ مُعَيَّنٍ انْبَثَقَتِ الرُّوحُ الَّتِيْ هِيَ أمْرُهُ بِذَلِكَ الْاسْمِ .

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسلَّمَ : ( فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ) أيْ أنَّ لِكُلِّ رُوحٍ هَدَفٌ مِنْ خَلْقِهَا ؛ وَهَذَا الْهَدَفُ هُوَ السَّبَبُ الَّذِيْ خُلِقَتِ الرُّوحُ لِتَحْقِيْقِهِ فِيْ عَالَمِنَا وَلِذَلِكَ يَكُونُ مَعَهَا إذْنٌ خَاصٌّ بِحَيْثُ أنَّهَا حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بَرَزَ هَذَا الْإذنُ الرَّبَّانِيُّ الْخَاصُّ فَتَيَسَّرَتْ أمُورُ سَيْرِهَا نَحْوَ هَدَفِهَا لِتَحْقِيْقِهِ .

وَهَلْ عَذَابُ الْأرْوَاحِ فِيْ الْأْرضِ إلَّا لِأّنَّهَا لَمْ تَفْهَمْ هَدَفَهَا وَمَا هِيَ مُيَسَّرَةٌ لَهُ !؟  ، رُبَّمَا نَرَى إحْدَاهُنَّ الْتَزَمَتْ حُبَّ شَخْصٍ ضَاعَ عُمرُهَا عَلَيْهِ شَهْوَةً مِنْهَا وَالْحَقِيْقَةُ أنَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِإسْعَادِ رَجُلٍ آخَرَ  .

وَنَقُولُ عَنِ الرُّوحِ أيْضَاً أنَّهَا بَصْمَةٌ لَاتَتَكَرَّرُ وَنَسْتَطِيْعُ أنْ نَرَاهَا بِظُرُوفٍ خَاصَّةٍ بِشُرُوطِ الرُّؤيَةِ لِلرُّوحِ .

وَنَسْتَطِيْعُ السَّيْطَرَةَ عَلَيْهَا تَمَامَاً وَحَتَّى أنَّهَا تَسْتَطِيْعُ أنْ تَزُورَ الْعَوَالِمَ الْأْخْرَى .

وَكَمَا قُلْتُ سَابِقَاً أنَّ الرُّوحَ سَابِقٌ فِيْ وُجُودِهِ عَنْ وُجُودِ الْجَسَدِ .

وَقَدْ كَانَتْ فِيْ عَالَمِ الْأرْوَاحِ هَائِمَةٌ طَوَّافَةٌ قَبْلَ قَيْدِهَا فِيْ الْجَسَدِ وَهِيَ أنْوَاعٌ :

مِنْهَا مَا يَتَزَوَّجُ وَيَتَنَاسَلُ وَيَتَنَاكَحُ ، وَمِنْهَا مَالَا يُمْكِنُ لَهُ ذَلِكَ حَسَبَ نَوْعِ الرُّوحِ . بِشَكْلٍ عَامٍّ : كُلُّ الْأرْوَاحِ الْإنْسَانِيَّةِ تَتَكَاثَرُ ؛ وَ كَوْنُهَا لَيْسَتْ بِمَادَّةٍ فَهَذَا يَعْنِي أنَّهَا لَاتَتَعَايَرُ بِقَوَانِيْنِ الْمَادَّةِ بَلْ بِقَوَانِيْنِهَا هِيَ .

وَهُنَاكَ عُلُومٌ خَاصَّةٌ بِالرُّوحِ مِنْهَا عِلْمُ قَوَانِيْنِ الرُّوحِ .

أمَّا التَّخَاطُرُ بَيْنَ الْعِبَادِ أوْ حَدِيْثُ الْبَاطِنِ بِالْبَاطِنِ يَكُونُ مِنْ بَابِ إطْلَاقِ الْخَوَاطِرِ وَلَيْسَ الرُّوح .

فَفِيْ التَّخَاطُرِ : لَيْسَ الرُّوحُ هِيَ مَنْ تَنْطَلِقُ وَتُرْسَلُ بَلِ الَّذِيْ يُرْسَلُ هُوَ الرِّسَالَةُ التَّخَاطُرِيَّةُ .

فَإنَّ مَسْألَةَ إرْسَالِ الرُّوحِ عَالَمٌ آخَرُ.

والعَطاءُ الرَّبَّانيُّ لِلأرْوَاحِ مِن القُدرَاتِ والْإمْكَانَاتِ ” وَاحِدٌ “ أيْ أنَّ كُلَّ الْأرْوَاحِ تَشْتَرِكُ بِعَطَاءٍ أسَاسِيٍّ ، وَيَتَفَاوَتُ الْإنْسَانُ بَعْدَهَا تَبْعَاً لِتَزْكِيَتِهِ ، فَالْبَشَرُ مُتَسَاوونَ فِيْ حُظُوظِ التَّقَرُّبِ مِنَ الْحَقِّ وَالْكُلُّ يَضْمَنُ لِذَاتِهِ مِنَ الْحَقِّ الْكَرَمَ ، وَلَكِنَّ اخْتِلَافَ وَتَنَوُّعَ الْبَشَرِ أعْطَى خُصُوبَةً فِيْ ظُهُورِ الْكَمَالَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفَتْ مَظَاهِرُ قُدْرَاتِهِمْ  ، وَالتَّزْكِيَةُ أسَاسٌ فِيْ هَذِهِ الْمَسْألَةِ ، فَمَتَى لَنَا أنْ نَفْهَمَ أنَّنَا رُوحَاً سَكَنَتْ جَسَدَاً ؟

فَإذَا نَظَرْتَ بِعَيْنِ النَّفْسِ وَجَهِلَتَ حَقِيْقَتَهَا ظَنَنْتَ أنَّهَا جَسَدٌ وَأنَّ الْجَسَدَ هُوَ السَّاكِنُ وَ السَّكَنُ .

أمَّا إذَا نَظَرْتَ بِعَيْنِ الْحَقِّ أدْرَكْتَ أنَّهَا تَمْلِكُ السَّكَنَ .

وَكَمَالُ الرُّوحِ أنْ تَصِلَ إلَى بَارِئِهَا فَلَا تَشْهَدُ سِوَاهُ فَلَا يَكُونُ حُبَّاً لِغَيْرِهِ .

وَيُعْتَبَرُ الصِّدْقُ أقْوَى الْأعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ الْمُؤَثِّرَةِ فِيْ قُوَّةِ وَقُدْرَةِ الرُّوحِ وَلَهُ الْقِمَّةُ ؛ وَأنْزَلُ مِنْهُ الْإخْلَاصُ ؛ وَأنْزَلُ مِنْهُ الصَّمَدَانِيَّةُ ( أنْ تَصْمُدَ بِقَلْبِكَ للهِ تَعَالَى فَلَا تَضَعُ حَاجَتَكَ عِنْدَ غَيْرِهِ وَلَا تَرَى قَاضِيَاً لِحَاجَاتِكَ سِوَاهُ ) .


( من كتاب علم الفوح من بعض أدلة الروح للمفكر الإسلامي الشيخ الدكتور هانيبال يوسف حرب  ) .


Exit mobile version