hanibalharbmag-47.8

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على حبيبي و جدّي محمد سيد العالمين و أكمل البشر و آله و صحبه و سلم تسليماً مطلقاً

بإشراقة الأرض بنور ربها أبصرت المخلوقات الأنوار الملوّنة من حولها و شهدت الصور ، و تأملت إبداع الكون بألوانه الأخاذة الذي تجلى عن البديع الله تعالى بكل معاني الجمال فشاء الله سبحانه أن يكون كونه ملوناً …

سنكون إن شاء الله تعالى في سلسلة قصيرة نستعرض فيها  الألوان في الأكوان.

 الأبيض في الموروث الفكري و الشعبي :

الأبيض : رمز النقاء عبر العصور و جاء في كتب التراث الأدبي الكثير من استعاراته ، فالعرب وصفت اليد الكريمة باليد البيضاء ، و أطلقوا على الحنطة و الشعير اسم البيضاء ، و سمّوا السيف و الفضّة بالأبيض ، و سمّوا أول النّهار بالخيط الأبيض ، و كانت الأرض الملساء التي لا نبت فيها تسمى بالأرض البيضاء …..

و جاء في كتب التاريخ أن الرومان كانوا لا يقدمون الأضاحي إلا من الحيوانات البيضاء , لأن هذا يدل على نقاء و صفاء ما يقدمون ، و أن فرعون كان يرتدي تاجاً أبيضاً ليرمز إلى سيطرته على مصر العليا فيشار بالبياض إلى العلو ، وورد في مذكرات الفنان ليوناردو دافنشي ” أول الألوان البسيطة الأبيض ..الأبيض يمثل الضوء الذي بدونه ما كان يمكن رؤية لون ….” ، أما في التراث المسيحي فقد جاء أن عيسى عليه السلام كان غالب لباسه ثوب أبيض …

و بات معروفا انتشار مدارس كثيرة تعالج بالألوان من خلال دراسة تأثيرات كل لون على العضو المصاب  باستخدام خاصية معينة لهذا اللون ، و من هذه المدارس مدرسة العلاج بعلم طاقات رقائق النور الحرفية التي تعتمد على الحروف والأسماء الإلهية وانبثاق الأنوار بها في العلاجات و من هذه الأنوار النور الأبيض و الذي يمتلك مجموعة من الرقائق المختلفة و التي يتم استخدام هذا النور في علاج العضو المصاب بالمكان الخصص له .

و عبر تراثنا الشعبي نقول : ” نهارك أبيض” أي مملوء بالخيرات ، و نقول :” قلبه أبيض ” أي مخلص لا غش فيه ، و ” صحيفته بيضاء ” أي أن سمعته جيدة ، و سياسياً نقول : ” رفع الراية البيضاء ” أي استسلم ، و يسمى الانقلاب العسكري الذي لا يستخدم فيه سلاح “بالانقلاب الأبيض”…

 

الأبيض في الموروث الروحي الإسلامي :

ترى ماذا أراد الله تعالى من معنى البياض في قرآنه الكريم و سنّته الشريفة ..؟  لنستعرض سوية بعضاً من دلالات النور  الأبيض :

قال حبيبي عز و جل من قائل :

بسم الله الرحمن الرحيم

* { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [آل عمران : 106- 107]

فاللون الأبيض يوصف به أهل الجنة يوم الحشر العظيم و يكون بياض الوجه سمتهم التي تميزهم عن أهل النار ، و هذه الصفة هي ظهور لمعنى البياض الباطن على الظاهر فيراه الخلق جميعاً على وجوه المؤمنين ، و هذا ما يقارب معنى النور الذي نراه في وجوه المؤمنين في الدنيا قبل الآخرة.

بسم الله الرحمن الرحيم

* { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ  بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ } [الصافات : 45- 46]

و وصف لون مشروب أهل الجنة بالبياض , و اتبعها بأن هذا المشروب الأبيض إنما هو لذة للشاربين.

بسم الله الرحمن الرحيم

* { اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } [القصص : 32]

واختار الله تعالى من الألوان البياض ليكون آية لسيدنا موسى عليه السلام في معجزة يده ، و اتبعها بعد وصف البياضيّة بأنها من غير سوء ( أي سليمة تماماً من أي عيب ).

و يعد هذا اللون من أكثر الألوان وروداً في السنّة الشريفة فجاء في أحاديث الرسول عليه أتم الصلاة و التسليم والآل :

عن أنس بن مالك , عن صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : أبيض الوجه , كث اللحية , ضخم الهامة , أحمر المآقي , هدب الأشفار , شثن الكفين , ضخم الساقين , لطيف المسربة , ليس بالقصير ولا بالطويل , وهو إلى الطول أقرب منه إلى القصر , كثير العرق , إذا مشى يقلع كأنه يمشي في صعد , لم أر قبله ولا بعده مثله , فداء له أبي وأمي وذكر أنه مات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما في رأسه ولحيته كله عشرون شعرة بيضاء *

فصفة وجه حبيبي محمد عليه الصلاة و السلام و الآل البياض وقد وجدنا أن الله تعالى أراد لأهل الجنان أن تكون صفتهم بياض الوجه , فكيف بنبيه و حبيبه !! و هنا تطابق بين معنى بياض الوجه الباطن و ظهوره كلون في الظاهرعلى وجه حبيبي محمد عليه الصلاة و السلام والآل .

و جاء في شعب الإيمان للبيهقي في وصف سيدنا جبريل عليه السلام :  حدثني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : ” بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثوب ، شديد سواد الشعر ، لا يرى عليه أثر سفر”

صفة لباس الملائكة حين تتجسد في صورة آدمية هو البياض في أغلب ما روي في هذا  ، و رأى الصحابة عليهم السلام هذا الوصف في لباس سيدنا جبريل عليه السلام حين تجسد لهم , فكان حديث “ما الإسلام و الإيمان والإحسان؟..” المعروف ، و هل أنسب من البياض بكل ما يحمل من معاني النقاء و الطهر من لون يلبسه الملائكة!

و ورد في صحيح البخاري  – كتاب المغازي : ” عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه ، قال : ” رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أُحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد ” يعني سيدنا جبريل و سيدنا ميكائيل”.

و جاء في صحيح ابن حبان ” أتاني رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاني ، ثم شقا بطني ، فوالله ، ما أدري ما صنعا “

و هذان الحديثان إنما يؤكدان اختيار الله تعالى للون الأبيض لباسا للملائكة المتجسدة كونه أقرب الألوان كروحانية من روحانية الملائكة الطاهرين الأنقياء.

و ورد في سنن الترمذي في وصف الحجر الأسود: “عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” نزل الحجر الأسود من الجنة ، وهو أشد بياضا من اللبن فسودته خطايا بني آدم”

و هنا إشارة من الحق تعالى إلى أن اللون الأصلي للحجر الأسود المبارك هو الأبيض قبل أن تسوّده خطايا البشر ،و هذا يعني أن في روح البياض رقيقة الطهر و النقاء من الذنب و الخطايا.

وورد في صحيح البخاري في باب المعارج في وصف البراق:” ثم أتيت بدابة دون البغل ، وفوق الحمار أبيض ، – فقال له الجارود : هو البراق يا أبا حمزة ؟ قال أنس : نعم – يضع خطوه عند أقصى طرفه”

أشرف دواب السماء البراق الذي كرمه الله تعالى بحمل حبيبي محمد عليه الصلاة و السلام ليعرج به في السماوات فجاء وصفه بأنه أبيض اللون و قد علمنا معنى البياض و كيف ناسب البراق من الألوان الأبيض.

كما ورد عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” من خير ثيابكم البياض ، فليلبسها أحياؤكم ، وكفنوا فيها موتاكم “

و جاء  أن عمر بن الخطاب ، قال :” إني لأحب النظر إلى القارئ أبيض الثياب”

و جاء في وصف الصحابة: كان عبد الله من أطيب الناس ريحا ، وأنقاهم ثوبا أبيض “

و الأحاديث السابقة تشير إلى وصيّة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في لبس اللون الأبيض و كيف طبقّ الصحابة الكرام الوصيّة ،و ذلك أن لبس اللون الأبيض هو إشارة لنقاء و صفاء الباطن و ظهوره في صفة اللباس في الظاهر فكان بذلك خير الثياب البياض.

 

بيّض الله قلوبكم و أضفى على أقوالكم و أفعالكم النور الأبيض الطاهر النقي

و الحمد لله رب العالمين