54.2
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صلي على سيدنا محمد, خير من انتُسب إليه بالنسب الصُلبي, وخير من انتُسب إليه بالنسب الروحي, خير حقيقة, وخير خليقة, خير الخير كله, وكل الخير كله, وعلى آله وصحبه وسلم .

نفى الحق سبحانه وتعالى عن ذاته الولادة, فقال حبيبي عز وجل من قائل, بعد بسم الله الرحمن الرحيم :

” لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ” (3) الإخلاص

ولكنه سبحانه وتعالى لا يعجز عن إيجاد هذا الفعل في الكون, فهو سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد, لكنه يتجلى على العبد بالولادة والتوليد, فهو سبحانه الذي يبعث في الزوجين الرغبة في النكاح, وهو الذي يمدهما بطاقة الجماع و الإلقاح .

وهو سبحانه يحرك النطفة في رحم المرأة بعد أن حرك البويضة في المبيض, وهو سبحانه الذي يأذن لنطفة من ملايين النطف بدخول البويضة وإلقاحها, وهو سبحانه وتعالى الذي يمد الخلية بانقساماتها, وهو سبحانه وتعالى يسيرها من مكان إلقاحها وحتى الرحم, وهو … وهو … وهو الذي يكبر الجنين في بطن الأم, كل هذا والزوجين منشغلين بحياتهما ولا يلقيان لذلك بالاً, والله عز وجل معهم ونوره بينهم سبحانه وتعالى, فإذا ما اكتمل النمو وأذن الحق بالولادة خرج هذا المخلوق الضعيف يشهد أمام الأكوان أن الله تعالى لم يلد ولم يولد, ولكنه خير من تجلى بالولادة والتوليد .

وإنها للحظة آسرة عندما يرى الأب ابنه للمرة الأولى, أو عندما ترى الأم ولدها للمرة الأولى, شعور لا يعرفه إلا من ذاقه, شعور يعترف الجميع بأنه لا يمكن وصفه, ولا يمكن تخيله قبل معرفته, شعور ذو سطوة ينسي كل شيء سواه, وكأن الكون ذاب في نقطة واحدة وذابت معه الأشغال والآمال والتطلعات والسعي و …، كل هذا و المولود الجديد يأسرك لا بقوته بل بضعفه, يحيط بك لا بقدرته بل بعجزه, يجعلك تستنفر لا بالطلب بل بالاستسلام, كل هذه المشاعر التي يشعر بها الأب تجاه ولده إنما هي تجليات اسمه الرب على الإنسان في ذاتية الأب وذلك بولادة المولود, فالله سبحانه وتعالى عين الأب كرب الأسرة, وجعله مجلى أنوار الربوبية الأبوية على الأبناء, كما جعله مجلى أنوار الربوبية الزوجية على الأزواج, ولكن لكل نور ذوقه الخاص في الذات , ومن تابع ذلك عرف التغير الذي يحصل للمتزوج , والتغير الذي يحصل للأب الحديث , ولكن من الآباء من فطن لهذا النور وعلم أنه من الله تعالى بإخلاصه, فزاده تجلي أنوار الربوبية في ذاته عبودية, لاعترافه بأنها أنوار الربوبية لا أنواره, ومن الناس من يزداد بعداً باعتقاده أن هذه الأنوار أنواره لا أنوار الربوبية, فينصّب نفسه رباً على الولد, ويستعبده ويعتقد أن المال الذي ينفقه عليه إنما هو ماله, وأن له الفضل فضل منّة على ولده, وأن الولد مديون له, و… و… و ينتظر من الولد الاعتراف بفضله عليه, هو الذي لم يعترف بفضل ربه عليه, وينتظر أرباح استثماره في ابنه, وينسى أن الاستثمار ليس في الابن إنما في الصفات التي يتصف بها الأب مع ابنه, وأن الإبن إنما وجد ليكون الأب أباً ويتذوق معارف الأبوة, لا لينتظر من ابنه الاعتراف بذلك, هذا الإشكال وقع فيه الكثير من الآباء, وهو سبب الكثير من المشاكل العائلية والأسرية حين ينسى هذا الأب أن ابنه وقبل أن يكون ابنه كان عبد الله, وحق الله تعالى مبدّى على كل الحقوق هذا إن رأينا أن هناك حقوق غير حقوق الله تعالى, سبحان المتجلي الأعلى, يقرب بتجليه من يشاء ويبعد بذات التجلي من يشاء .

وكم وكم هم من حُجبوا بتجلي أنوار الربوبية عليهم فظنوا أنفسهم أرباباً, ولكن قليل هم من شهدوا تجلي أنوار الربوبية في ذواتهم, فما زادتهم الربوبية إلا عبودية, وعلى قدر عبوديتك معه تكون ربوبيته معك, فاغنم بهذا المشهد أيها الأب, واعلم أن أبوتك مسرح أوجده الله تعالى فيك ليذيقك رقائق من أنوار الربوبية فتتعرف على الرب, فكما تحن على ابنك, يرحمك الرب على عبده أكثر, وكما تسعى لإرضاء ابنك واعلم أنما هذا الولد زينة, وليس الحكمة الانشغال بالزينة عن الأصل, فاجعل هذا الحدث الكوني الجليل وهو الولادة, والذي نفاه الله تعالى عن نفسه وأثبته لعباده قربى وإحسان, لا إنشغال وابتعاد عن الحق تعالى .

بارك الله بك وبأبوتك, وبارك الله بأبنائك وبناتك وببنوتهم, وجعلنا وإياكم ممن يقرأون الرق المنشور ويتعرفون على الله تعالى ببركات أهل الله وأوليائه … اللهم آمين .