مدرسة الحب الإلهيمقالات من مدرسة الحب

المحبة وحفظ حقوق الناس

قد يرقّ القلب في الدعاء، ثم يواجه امتحانه حين يطالبه إنسان بحقّ تأخّر عنه. هنا تنتقل المحبة من دفء الشعور إلى صدق المعاملة: مال نردّه، وموعد نحترمه، وجهد نعترف لصاحبه به، وكلمة نراجعها لأنّها جرحت كرامة أحد. ما أجمل أن يصحب ذكر الله انتباهٌ إلى ما للناس في أعناقنا، وأن تثمر الرغبة في رضاه عنايةً بما قد نستهين به من حقوقهم.

تبدأ هذه العناية حين نرى صاحب الحقّ إنساناً له حاجاته وظروفه، لا عقبةً تقف في طريق راحتنا. فالأجر المتأخر قد ينتظره بيت، والوعد المنسي قد بُني عليه تدبير يوم، والكلمة المنقولة بغير تثبّت قد تثقل حياة صاحبها. حين نتأمل هذا المعنى، يصبح السؤال أقرب إلى الصدق: ماذا ترك تصرّفي في حياة غيري، وماذا أستطيع أن أصلح الآن؟

وللمحبة أدبٌ في ردّ الحقوق؛ أن نؤديها من غير أن نحمّل أصحابها ثمن مطالبتهم بها. لا نُشعر من طلب ماله بأنه قليل المروءة، ولا نطلب ممن تأذّى أن يسكت حتى تبقى صورتنا جميلة. الاعتراف بالتقصير يفتح باب الإصلاح، ثم يأتي العمل ليصدّق الاعتراف: إعادة ما أخذناه، وتصحيح ما نشرناه، والوفاء بما استطعنا من التزاماتنا بوضوح وأمانة.

وقد يعجز الإنسان عن أداء بعض ما عليه فوراً. عندها يحتاج إلى صدق يبيّن قدرته وحدودها، وإلى سعي جادّ في التدارك، بعيداً عن الوعود التي يعرف أنه لن يفي بها. الاعتذار لا يمحو الحقّ من تلقاء نفسه، وحسن القصد لا يغني عن حسن التدبير. ومن الرحمة ألا نجعل ضيقنا سبباً لزيادة ضيق غيرنا، بل نبحث معه عن مخرج واضح لا يقوم على الضغط أو الإحراج.

ومن الحقوق ما لا يُحمل في اليد: وقتُ من نستدعيه، وخصوصيةُ من ائتمننا، واسمُ من صنع عملاً فننسبه إليه. قد نأخذ فكرةً ثم ننسى صاحبها، أو ننشر حديثاً خاصاً لأنّه أعجبنا، أو نؤخر جواباً يتوقف عليه عمل الآخرين. لهذه التفاصيل وزنها في صدق الصحبة؛ والعناية بها تربية يومية للنفس على الخروج من دائرة مصلحتها وحدها.

ولا يكتمل هذا الأدب إن حفظنا حقوق من نحب وأهملنا حقوق من نختلف معه. يبقى للخصم حقّه في الإنصاف، وللعامل حقّه وإن لم يعجبنا طبعه، وللقريب حقّه وإن اعتدنا تسامحه. ومن دقة المجاهدة أن نمنع غضبنا ومكانتنا وقربنا من الناس من التحول إلى وسائل نأخذ بها أكثر مما ينبغي.

اختر اليوم حقّاً تعرف أنك تستطيع أداءه، وابدأ به من غير انتظار مناسبة كبيرة. رسالة تصحيح، أو ردّ أمانة، أو إنجاز وعد، قد تكون بداية إصلاح طال تأجيله. واسأل الله أن يرزقك قلباً محبّاً لا يغفل عن العدل، وأن يجعل ما تذوقه في العبادة نوراً تهتدي به في معاملة عباده. فحفظ الحقوق يمنح المحبة أثراً يطمئن إليه الناس، ويجعل قربنا منهم مساحة أمان ومسؤولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى