56.8
اللهم صلي على حبيبي و جدّي محمد مدينة العلم و المعرفة أكمل البشر

و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا

لعل الكثير منّا لم يطلع على ما تحمله الأحرف العربية من معانٍ متعددة (و نقصد بهذه الأحرف أحرف الإضافة والعطف و النفي و الجواب …)، فقد يظن البعض أن معرفة معانيها شأن لا يهم إلا أصحاب الاختصاص في اللغة العربية أو أصول الفقه، إلا أنك ستفاجأ عندما تعلم أن معرفة هذه المعاني يصبّ مباشرة في فهم جوهر الرسائل الربانية القرآنية و جوهر العقيدة و السنّة.

فمثلاً – في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم : { … وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ … } البقرة233

من لم يعرف أن اللام هنا تفيد معنى: (الاختصاص), لن يعلم أن هذا المعنى جاء  بحكم شرعي, هو أن نفقة الولد مترتبة وجوباً على أبيه ! و أمثلة ذلك كثير ..

و ها نحن معكم في الجزء الأخير من سلسلة قصيرة استعرضنا فيها أهم هذه الحروف و ما لها من معانٍ متعددة تفيدنا في التعمق في فهم أسرار الله تعالى.

أحرف العطف

أحرف العطف على ثلاثة أنواع :

الأول – يدل على (تشريك الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه) أي يشترك كلا المعطوف و المعطوف عليه بنفس الحكم،و أدواته: (الواو،الفاء،ثم،حتى).

الثاني – يدل على (ترديد الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه)،أي أن يجري الحكم على أحدهما، و أدواته: (أو، إما ،أم).

الثالث – يدل على (حصر الحكم في المعطوف و سلبه عن المعطوف عليه)، و أدواته: (بل، لكن، لا).

نستعرض منها :

(( الواو))

 و هي من أحرف العطف التي تدل على تشريك الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه، و تفيد معنى (مطلق الجمع مع المغايرة) حيث أن مطلق الجمع يعني مطلق تشريك الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه،أما المغايرة فهي أن كينونة المعطوف تغاير كينونة المعطوف عليه،فمثلا إذا قلنا (إيمان و إحسان) فالإحسان عُطِف على الإيمان إلا أنه يغايره أي أن الإيمان غير الإحسان و لكل كينونة مختلفة.

و اختلف العلماء في الواو هل تفيد الترتيب بين المعطوف و المعطوف عليه أم لا تفيده،و من القائلين بالترتيب الفرّاء و الشافعي و استدلا بما ورد في الحديث الصحيح عن حج النبي عليه الصلاة و السلام و على آله و صحبه أجمعين أنه لما فرغ من الطواف و انصرف إلى المسعى بدأ بالصفا قائلا: (أبدأ بما بدأ الله به) إشارة لقوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: { إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ…} البقرة 158

كما استدلوا بقوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا…} الحج 77 فالركوع ترتيبا سابق للسجود.

 (( الفاء المفردة))

و هي من أحرف العطف التي تدل على تشريك الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه، و تدل على (الترتيب و التعقيب دون تراخٍ) فالمعطوف يعقب المعطوف عليه مباشرة بدون تراخي زمني، و مثاله قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً…} الحج 63 فاخضرار الأرض يعقب سقياها بماء السماء بدون تراخي،و هذا النوع من التعقيب يسمى (تعقيبا معنويا).

و هناك نوع من التعقيب يسمى (التعقيب الذِكْري) و يفيد عطف مُفصّل على مُجمَل و مثاله في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {…فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً…} النساء 153 فهم سألوا موسى أكبر من ذلك -هذا إجمال- و تفصيله أنهم سألوا أن يروا الله جهرة،و في هذا النوع من العطف لا ترتيب و لا تعقيب بل تفصيل لمُجمَل .

 (( ثمّ))

و هي من أحرف العطف التي تدل على تشريك الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه، و تدل على (الترتيب مع تراخي زمني)، و مثاله قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: { كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} البقرة 28 فالفاصل بين الحياة الأولى ثم البرزخ ثم البعث إنما هو فاصل زمني متعاقب إلا أنه طويل الأمد و متراخي.

 (( أو))

و هي من أحرف العطف التي تدل على ترديد الحكم بين المعطوف و المعطوف عليه.

 إذا دخلت (أو) على -الجملة الخبرية- أفادت أحد المعنيين: (معنى الشك أو معنى الإبهام).

 فالشك مثاله قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {…قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ…} الكهف 19 فالجواب هنا يدل على شك المتكلم في مدة لبوثه في الكهف،أما الإبهام فمثاله قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {…وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} سبأ 24 فأحد الفريقين على هدى أو في ضلال و هذا الإبهام هنا سيق على المشركين مساق تهديد أو إعذار.

أما إذا دخلت (أو) على –الجملة الطلبية- أفادت أحد المعنيين: (معنى التخيير بين شيئين يمنع الجمع بينهما أو معنى الإباحة).

أما التخيير فمثاله قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم:{…فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ…} المائدة 89 فالتخيير هنا بين إطعام عشرة مساكين كفارة اليمين أو كسوتهم فإن قام عاقد اليمين بكليهما وقعت الأولى كفارة يمينه و الثانية صدقة،و أما الإباحة فمثالها (جالس العلماء أو الصالحين) فمن البداهة أنه لا مانع من مجالسة كلا الفريقين.

ت (( بل))

و هي من أحرف العطف التي تدل على حصر الحكم في المعطوف و سلبه عن المعطوف عليه، و تدل على أحد المعنيين (الإضراب أو العطف)،والإضراب هو الامتناع عما قبلها و حصر الحكم فيما بعدها.

(بل) التي تفيد الإضراب هي التي تأتي بعدها جملة، و مثالها في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم:{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} الأعلى 16 فحُصر الحكم في إيثار الحياة الدنيا .

أما (بل) التي تفيد العطف هي التي يأتي بعدها لفظ مفرد، فتجعل ما قبلها كالمسكوت عن حكمه و تثبت الحكم لما بعدها،مثل (اضرب زيدا بل عمرا).

و لا شك أنه هناك المزيد من أحرف المعاني التي لم نتطرق لها في سلسلتنا هذه و منها الحروف المشبهة بالفعل ،و أحرف النفي ،و أحرف الجواب ،و من الحروف المشبهة بالفعل نذكر: إنّ و أنّ (و التي تفيد تأكيد الخبر)،و لعل (التي تدل على توقع الشيء على وجه الرغبة أو الطلب)، و ليت (التي تفيد معنى التمني و لا تدخل إلا على مستحيل)، و لكن (التي تدل على الاستدراك فتنسب لما بعدها حكما مخالفا لما قبلها).

 

تم بحمد الله شرح ما وفقنا الله إليه من مختارات من أحرف المعاني

اللهم ارزقنا علوم القرآن و فهومه و فقهنا في الدين … آمين

و الحمد لله رب العالمين