المحبة والصبر دون قسوة

حين يطول انتظار التغيير فيمن نحب، قد يتسلل التعب إلى أصواتنا، فتصير النصيحة توبيخاً، ويصبح تذكيرنا بالخطأ باباً لإذلال صاحبه. في تلك اللحظة تحتاج المحبة إلى صبر يحفظ معناها: أن نثبت على طلب الخير، وأن نراجع الطريقة التي نطلبه بها. فالقلب المتعب يحتاج إلى عناية، حتى لا يجعل ألمه عذراً لقسوة تتسع كل يوم.
الصبر ليس إخفاء الغضب خلف ابتسامة، ثم جمع الأخطاء لساعة انفجار. هو أن نعرف ما نشعر به، ونمهل أنفسنا قبل القول، ونختار كلاماً يوضح المشكلة دون أن يسحق الإنسان. قد نقول: هذا التصرف أوجعني، وأحتاج أن يتغير. عبارة صادقة محددة أقدر على فتح باب الفهم من حكم واسع يلغي كل خير في صاحبنا.
ومن محبة الله أن نطلب عونه على هذا الأدب حين يضيق صدرنا. ندعوه أن يرزقنا حلماً واعياً، ونأخذ بالأسباب التي تحفظه: نؤجل الحديث إذا اشتد الانفعال، ونختار وقتاً يتسع للإصغاء، ونفرّق بين ما وقع فعلاً وما خفنا أن يكون مقصوداً. هكذا يجد الصبر عملاً يومياً يحمله، بدل أن يبقى كلمة نطالب بها أنفسنا والآخرين.
وللصبر حدود تصون الحقوق. فمن حق الإنسان أن يرفض الإهانة، وأن يبتعد عن الأذى، وأن يطلب عوناً موثوقاً عند الحاجة. لا يلزمه أن يبقى في موقف مؤذٍ ليبرهن على محبته أو قوة إيمانه. قد تكون المسافة الآمنة وجهاً من وجوه الحكمة، وقد يكون الحزم الهادئ أصدق في حماية العلاقة من تسامح ظاهر يخفي خوفاً واحتقاناً.
ويظهر الصبر أيضاً في نظرتنا إلى نمو الناس. ليس كل تعثر رفضاً للخير، ولا كل بطء استخفافاً بنا. نسأل، ونسمع، ونلاحظ ما تحقق من تقدم، ثم نبيّن ما بقي من مسؤولية. تشجيع الخطوة الصادقة لا يعني إنكار التقصير؛ إنه يساعدنا على رؤية الإنسان أوسع من خطئه، مع إبقاء الحق واضحاً لا تذيبه العاطفة.
أما القسوة فقد تتخفى في ثوب الحرص: نفضح لنربي، ونهين لنوقظ، ونكرر العتاب حتى يفقد السامع القدرة على الجواب. هنا يلزم أن نتوقف ونسأل: هل أريد الإصلاح، أم أريد أن يشعر الآخر بمقدار ما تألمت؟ مراجعة هذا السؤال تردنا إلى مقصدنا، وتدعونا إلى وسيلة أكرم وأقرب إلى الإنصاف.
وإذا زلّ اللسان، فالصبر لا يمنع الاعتذار. نعترف بالكلمة الجارحة دون تعليق مسؤوليتها على استفزاز غيرنا، ونصلح ما نستطيع، ثم نستأنف الحوار على أساس أوضح. ليست الاستقامة أن نخلو من كل ضعف؛ بل أن ننتبه إليه، وألا نمنحه حق القيادة في علاقتنا بالناس.
اللهم ارزقنا محبة تصبر دون أن تجفو، وحزماً يعدل دون أن يطغى، وبصيرة نعرف بها متى نقترب ومتى نترك مساحة. وأعنّا أن نحفظ كرامة من نخاطب، وأن نصون كرامتنا، وأن نجعل طلب الإصلاح عملاً رحيماً يصدّق ما نرجوه من رضاك.



